ألعاب الأطفال والطائرات الورقية في غزة.. "تهديد أمني" يواجهه الاحتلال بالتصعيد والتدمير

بي دي ان |

05 سبتمبر 2026 الساعة 07:33م

صورة تعبيرية
لم يتبقَّ لأطفال غزة الكثير من وسائل اللعب واللهو بعد حربٍ دمّرت الحدائق والمتنزهات وحرمتهم من أبسط ألعابهم، حتى تحولت الطائرات الورقية المصنّعة يدوياً، التي وجدوا فيها متنفساً وسط الدمار، إلى مصدر خوف جديد. فإسرائيل التي قيّدت إدخال ألعاب الأطفال إلى القطاع، باتت تهدد اليوم بشن غارات جوية مكثفة بسبب إطلاق الطائرات الورقية، معلنة التعامل معها باعتبارها "طائرات مسيّرة"، عقب مخاوف أبداها سكان المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة من دخولها مجالهم الجوي.
 
وكانت السلطات الإسرائيلية قد منعت، منذ السابع من أكتوبر، إدخال ألعاب الأطفال إلى قطاع غزة عبر المعابر بتصنيفها ضمن "الكماليات غير الأساسية"، أو إدراجها تحت قائمة المواد "ذات الاستخدام المزدوج" حال احتوائها على محركات، أو بطاريات، أو أجزاء معدنية بدعوى الخوف من استغلالها عسكرياً، بل وشمل التضييق المواد الخام المستخدمة في صناعة الطائرات الورقية والبالونات.
 
هذا الحظر الممتد على الألعاب الجاهزة دفَع الأطفال بكثافة ونحو غير مسبوق إلى اقتناء وشراء الطائرات الورقية المصنعة يدويّاً، باعتبارها المتنفس الوحيد المتاح أمامهم.
 
تسببت هذه الإجراءات في تصعيد حالة التوتر في القطاع، وسط تحذيرات أممية واحتجاجات فلسطينية تُحذّر من استغلال هذه الذرائع لتفجير اتفاق وقف إطلاق النار، بالتوازي مع تحركات احترازية شعبية وتجارية داخل الأحياء ومخيمات النزوح لإتلاف هذه الطائرات خشية استهدافات جوية تُهدد بها تل أبيب.
 
من جهته، حذّر "مجلس السلام" التابع للإدارة الأمريكية الفصائل الفلسطينية في غزة من إطلاق الطائرات الورقية والبالونات باعتبارها "أنشطة قد تُستغل للتصعيد"، مطالباً في الوقت نفسه الجانب الإسرائيلي بالتزام وقف إطلاق النار وعدم تجاوز العمليات العسكرية نطاق الرد على تهديدات حقيقية ووشيكة.
 
وفي السياق ذاته، وصفت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، التهديدات الإسرائيلية بتكثيف الهجمات وتهجير السكان بذريعة إطلاق أطفال لطائرات ورقية بأنه "أمر بغيض للغاية". وأكدت في مؤتمر صحفي بجنيف وقوع انتهاكات عديدة لمبادئ القانون الدولي الإنساني، داعية المجتمع الدولي والدول الضامنة إلى الضغط للتنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار وضمان المساءلة والعدالة.
 
طائرات ترفيهية وتلويح إسرائيلي بالتصعيد
 
ميدانياً، أقر الجيش الإسرائيلي بفحصه 4 طائرات ورقية سقطت قرب مستوطنة "ناحل عوز"، مؤكداً أنها لم تكن تحمل أي مواد متفجرة أو تشكل خطراً أمنياً. وأكدت مصادر ميدانية أن الأمر لا يتعدى طائرات ترفيهية يلهو بها الأطفال وانفلتت بفعل الرياح نظراً لقرب المسافات الفاصلة.
 
ومع ذلك، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بياناً مشتركاً لوّحا فيه بتكثيف الاستهدافات وإخلاء أحياء سكنية؛ حيث صرح نتنياهو: "لن نعود لواقع ما قبل 7 أكتوبر، ولن نسمح بتقويض الأمن"، بينما اعتبر كاتس أن "كل عملية إطلاق هي عمل حربي وسنتعامل معها بمنتهى الحزم".
 
في المقابل، حذّر المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم، من التهديدات الإسرائيلية، واصفاً إياها بـ "اختلاق للذرائع لتبرير استمرار العدوان واستهداف الأطفال"، ومطالباً الوسطاء بالتدخل الفوري.
 
تدمير للمخزون التجاري وحرمان للأطفال
 
وعلى الأرض، انعكست التهديدات الإسرائيلية حالة من الرعب التجاري والشعبي؛ ففي حي النصر بمدينة غزة، بدأ التجار المحليون بتدمير مخزونهم من الطائرات الورقية يدوياً عبر تمزيق الورق وكسر الإطارات الخشبية، خشية استهدافهم أو معاملتهم كـ "مسلحين" حال العثور على أي منها في متاجرهم.
 
كما أعلن النازح أحمد اليازجي، وهو أحد الباعة المتخصصين في صناعة وبيع الطائرات الورقية، في سوق اليرموك الشعبي بمدينة غزة، توقفه التام عن تصنيع وبيع الطائرات الورقية وإتلاف بضاعته بالكامل تجنباً لأي خطر قد يلحق بالأطفال، أكمل حديثه: "حياة الأطفال أهم من أي شيء، لا نريد أن نفقد المزيد منهم". وأوضح اليازجي أن هذه الطائرات كانت تُباع بسعر يتراوح بين 20 إلى 30 شيقلاً للطائرة الواحدة، وكانت تشكل مصدر دخله الوحيد لإعالة أسرته، مؤكداً أنه بات مضطراً الآن للبحث عن مصدر رزق ثاني في ظل ظروف اقتصادية طاحنة
 
وقال:" إسرائيل لا تريد لنا الحياة، كلما بحثاً عن مخرج للقيود المفروضة على القطاع تعود لتدميره." .
 
وفي حي الشيخ رضوان، اتخذ المواطن أبو أحمد الباز خطوة مماثلة بكسر طائرة ورقية تخص ابنه أحمد (8 سنوات). ورغم أن اللعبة كانت المتنفس الوحيد لأحمد في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء والدمار المحيط به، ومنع الاحتلال الإسرائيلي إدخال أي لعبة للقطاع بعد السابع من أكتوبر، إلا أنه لم يعترض على تصرف والده، إذ أضحى يدرك مفاهيم الاستهداف والموت بعدما عاش الحرب والتصعيد منذ سن الخامسة من عمره. وفي السياق نفسه، دعت لجان شعبية أولياء الأمور للتوقف التام عن إطلاق الطائرات الورقية حمايةً لحياة أطفالهم.
 
خلفية تاريخية: هاجس حرائق 2018 وأزمة الاعتراض
 
تعيد هذه التطورات الهاجس الأمني لدى إسرائيل إلى تجربة "مسيرات العودة" عام 2018، حين ظهرت الطائرات الورقية الحارقة بصورة واسعة قرب الحدود. وكانت تُصنع من هياكل خفيفة مغطاة بالورق أو القماش، وتُرِبط بها قطع قماش مشتعلة لينقلها الهواء نحو الأراضي الزراعية؛ ما تسبب - بحسب تقديرات إسرائيلية - في اندلاع مئات الحرائق واحتراق آلاف الهكتارات.
 
وتطور الإطلاق لاحقاً إلى بالونات حارقة تُمكّنها الرياح من قطع مسافات أطول. وتكمن صعوبة التصدي لهذه الوسائل في انخفاض تكلفتها، وبساطة تصنيعها، وصغر حجمها، مما يجعلها تحدياً يقلل فاعلية المنظومات الدفاعية المخصصة للصواريخ والطائرات المسيرة.
 
الدجني: استهداف الطفولة ممنهج ورهان على الذرائع
 
وفي السياق ذاته، أكد المحلل السياسي حسام الدجني أن استهداف الطفولة في قطاع غزة بات، منذ بداية حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول، سلوكاً متلازماً مع سياسات دولة الاحتلال، مشيراً إلى أن هذا الاستهداف لا يقتصر على القتل المباشر، بل يمتد إلى التدمير الممنهج لكل متنفس يحاول الأطفال من خلاله التخفيف من الضغوط النفسية التي خلّفتها حرب الإبادة.
 
وأوضح الدجني أن إسرائيل استهدفت معظم الحدائق والمتنزهات التي كان يلجأ إليها الأطفال للعب والترفيه، فيما لم يكن ساحل البحر، الذي شكّل بدوره واحداً من المساحات القليلة المتبقية أمام العائلات والأطفال، بعيداً عن الاستهداف المباشر، حيث سقط العديد من الشهداء من المصطافين، وكان من بينهم أطفال.
 
وقال الدجني: "إسرائيل تؤكد بملاحقتها للطائرات الورقية رفضها لبقاء ووجود الفلسطيني على أرضه، عبر تدمير كل مقومات الحياة من شجر وبشر وحجر".
 
وحول مدى جدوى الموقف الدولي وأوراق الضغط المتاحة لوقف التصعيد، رأى الدجني أن إسرائيل لا تكترث كثيراً بمواقف "مجلس السلام" أو الوسطاء، مستشهداً باستمرار عدم التزامها بالاتفاقيات، ومتسائلاً: "كيف يُفسر عدم التزام إسرائيل بالاتفاقيات وعدم تطبيقها لها؟".
 
وعن موقف المقاومة والشارع الفلسطيني من المبررات التي تسوقها إسرائيل لتبرير التصعيد، أوضح الدجني أن الجانب الفلسطيني يعمل بكل ما يستطيع من أجل سحب الذرائع ومنع استخدامها مبرراً لشن هجمات جديدة، مستدركاً بأن إسرائيل، في واقع الأمر، "لم تعد بحاجة إلى ذرائع" لشن عدوانها.
 
 
 
وأضاف: "مسألة الذرائع بالنسبة لتل أبيب ليست سوى مصطلح يخدمها للتغطية على ارتكاب جرائم ضد الطفولة وضد الإنسانية، وممارسة التطهير العرقي والإبادة".
 
وختم الدجني حديثه بالتحذير من احتمالية ذهاب إسرائيل نحو تصعيد أوسع ومواجهة أكبر خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا أدرك نتنياهو أن توسيع دائرة التصعيد قد يسهم في تعزيز فرصه وتحقيق فوزه في الانتخابات القادمة.
 
حصيلة كارثية لخروقات التهدئة حصيلة كارثية لخروقات التهدئة
 
تأتي هذه التطورات في وقت كشفت فيه بيانات وزارة الصحة في غزة عن مقتل 1,296 فلسطينياً وإصابة 4,296 آخرين جراء الخروقات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، لترتفع الحصيلة الإجمالية لضحايا الحرب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 73,431 قتيلاً و174,437 مصاباً.
 
وكان اتفاق وقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ضمن خطة أمريكية لإنهاء الحرب في قطاع غزة، إلا أن التهدئة ظلت هشة في ظل استمرار الاستهدافات والخروقات، فيما لا تزال ملفات رئيسية، من بينها الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح والترتيبات الأمنية والإدارية للقطاع، موضع خلاف وتعثر في التنفيذ.
 
وتتزامن هذه الحصيلة مع تحذيرات متزايدة من أن تنفيذ التهديدات الإسرائيلية الأخيرة بتكثيف الهجمات وإخلاء أحياء سكنية قد يدفع باتفاق وقف إطلاق النار نحو انهيار شامل، ويفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد في قطاع غزة.