عام على النكبة الثانية: حين حملنا بيوتنا على ظهورنا شهادة من غزة عن ليلة النزوح والعودة إلى الركام
بي دي ان |
01 سبتمبر 2026 الساعة
05:28م
الكاتب
مرّ عام، وما زالت تلك الليلة حاضرة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس.
خرجنا من غزة في الرابعة فجرًا. كانت الطائرات تملأ السماء، وأصوات الانفجارات تصمّ الآذان، والخوف يملأ القلوب. كانت الشوارع فارغة على نحو مرعب؛ لا بشر فيها، ولا تكاد ترى حتى حيوانًا شاردًا. يومها شعرت أن المدينة التي عرفناها طوال العمر قد توقفت عن التنفس.
لم نخرج لأننا أردنا الرحيل، بل لأن البقاء أصبح مخاطرة بالحياة. حمل كل واحد منا ما استطاع حمله، وألقى نظرة أخيرة على بيته وهو لا يعرف: **هل سأراه مرة أخرى؟**
كان ذلك هو السؤال الأقسى.
لم يكن النزوح انتقالًا من مكان إلى آخر، بل اقتلاعًا للإنسان من تفاصيل حياته: بيته، سريره، كتبه، صور أطفاله، حارته، جيرانه، والأشياء الصغيرة التي لا نعرف قيمتها إلا عندما نفقدها.
كانت جباليا وأجزاء واسعة من شمال غزة وأحيائها تتعرض لدمار هائل. أحياء وشوارع ومدارس ومساجد وبيوت تختفي أو تتغير معالمها، والناس يتدفقون جنوبًا حاملين أطفالهم وحقائبهم وما بقي لهم من العمر.
وكان النزوح هذه المرة أشد قسوة؛ لأن الناس كانوا يعرفون ما ينتظرهم: خيمة، وازدحام، وحرّ وبرد، وجوع، وماء شحيح، وانتظار طويل بلا يقين.
## سبعة آلاف شيكل للنجاة
وسط ذلك كله، بقي في ذاكرتي مشهد آخر لا يقل ألمًا.
أردت أن أنقل ما استطعت من أثاث بيتي. لم يكن الأمر حرصًا على الأثاث بقدر ما كان خوفًا من ألا نعود، وأن تصبح الأشياء القليلة التي نحملها معنا بداية حياة جديدة في المجهول.
طلب صاحب شاحنة **سبعة آلاف شيكل** مقابل نقل الأثاث.
سبعة آلاف شيكل!
في تلك اللحظة أدركت أن للحرب وجهًا آخر غير القصف: أن يصبح اضطرار الإنسان سوقًا، وخوفه سلعة، ونزوحه فرصة للربح.
لا أذكر هذه الحادثة للتشهير بأحد، وإنما لأنها جزء من الحقيقة التي ينبغي أن تُروى. فالحرب لا تختبر قدرتنا على البقاء فقط، بل تختبر أخلاقنا أيضًا: هل نبقى بشرًا حين تضيق بنا الحياة، أم يتحول ألم بعضنا إلى فرصة لبعضنا الآخر؟
## وبعد شهرين... عدنا
عدنا بعد نحو شهرين.
لكن العودة لم تكن عودة إلى المكان الذي غادرناه.
عدنا إلى مدينة أخرى؛ إلى جدران مجروحة، ونوافذ محطمة، وبيوت فقدت أجزاء منها، وشوارع يصعب أحيانًا التعرف إليها.
بحث كل واحد منا بين الركام عن شيء من حياته السابقة.
قطعة أثاث.
كتاب.
صورة.
ورقة.
أو حتى زاوية بقيت كما كانت.
عندها فهمت بصورة أعمق أن تدمير البيت ليس تدميرًا للحجارة وحدها؛ فالبيت ذاكرة الإنسان المادية، وحين يُهدم، يشعر صاحبه أن جزءًا من سيرته الشخصية قد هُدم معه.
ومع ذلك عدنا.
وهذه هي الحقيقة التي ربما يصعب على من لم يعش تجربة غزة أن يفهمها: نحن لا نعود لأن البيوت بقيت، بل لأن الوطن بقي.
لماذا أكتب بعد عام؟
أكتب اليوم لأنني مؤرخ قبل أن أكون شاهدًا، ولأن ما عشناه يجب ألا يتحول بعد سنوات إلى أرقام باردة في كتب التاريخ.
وراء كل رقم إنسان.
وراء كل نازح بيت أُغلق بابه للمرة الأخيرة.
وراء كل بيت مدمر عشرات الحكايات.
ووراء كل عائد إنسان قرر أن يبدأ من الركام مرة أخرى.
لقد حملنا في تلك الليلة بعض متاعنا على ظهورنا، لكننا حملنا معنا ما هو أثقل: **ذاكرة المكان والخوف من فقدانه**.
مرّ عام على تلك النكبة، وما زال الجرح مفتوحًا. مات من مات، وفُقد من فُقد، وهُدمت البيوت، وتغيرت ملامح المدن، لكن شيئًا واحدًا لم تستطع الحرب انتزاعه:
إرادة العودة.
هذه ليست بطولة نرويها عن أنفسنا، ولا كلمات للصمود نكتبها من بعيد. إنها حياة اضطررنا إلى عيشها: ننزح حين يصبح البقاء موتًا، ثم نعود حين يصبح الرجوع ممكنًا، ولو إلى بيت بلا سقف وشارع بلا ملامح.
وفي الذكرى الأولى لتلك الليلة، لا أقول إن غزة لم تنكسر؛ فقد انكسر فيها الكثير، وانكسر فينا الكثير.
لكن الفرق كبير بين أن تنكسر وأن تستسلم.
وغزة، رغم كل ما انكسر فيها، لم تستسلم.
قبل عام حملنا بيوتنا على ظهورنا ورحلنا، ثم عدنا نبحث عنها بين الركام. وربما تكون هذه الحكاية، في اختصارها الشديد، هي حكاية غزة كلها: يُراد لها أن ترحل، فتعود؛ ويُهدم بيتها، فتبدأ من حجارته من جديد.
بي دي ان |
01 سبتمبر 2026 الساعة 05:28م
خرجنا من غزة في الرابعة فجرًا. كانت الطائرات تملأ السماء، وأصوات الانفجارات تصمّ الآذان، والخوف يملأ القلوب. كانت الشوارع فارغة على نحو مرعب؛ لا بشر فيها، ولا تكاد ترى حتى حيوانًا شاردًا. يومها شعرت أن المدينة التي عرفناها طوال العمر قد توقفت عن التنفس.
لم نخرج لأننا أردنا الرحيل، بل لأن البقاء أصبح مخاطرة بالحياة. حمل كل واحد منا ما استطاع حمله، وألقى نظرة أخيرة على بيته وهو لا يعرف: **هل سأراه مرة أخرى؟**
كان ذلك هو السؤال الأقسى.
لم يكن النزوح انتقالًا من مكان إلى آخر، بل اقتلاعًا للإنسان من تفاصيل حياته: بيته، سريره، كتبه، صور أطفاله، حارته، جيرانه، والأشياء الصغيرة التي لا نعرف قيمتها إلا عندما نفقدها.
كانت جباليا وأجزاء واسعة من شمال غزة وأحيائها تتعرض لدمار هائل. أحياء وشوارع ومدارس ومساجد وبيوت تختفي أو تتغير معالمها، والناس يتدفقون جنوبًا حاملين أطفالهم وحقائبهم وما بقي لهم من العمر.
وكان النزوح هذه المرة أشد قسوة؛ لأن الناس كانوا يعرفون ما ينتظرهم: خيمة، وازدحام، وحرّ وبرد، وجوع، وماء شحيح، وانتظار طويل بلا يقين.
## سبعة آلاف شيكل للنجاة
وسط ذلك كله، بقي في ذاكرتي مشهد آخر لا يقل ألمًا.
أردت أن أنقل ما استطعت من أثاث بيتي. لم يكن الأمر حرصًا على الأثاث بقدر ما كان خوفًا من ألا نعود، وأن تصبح الأشياء القليلة التي نحملها معنا بداية حياة جديدة في المجهول.
طلب صاحب شاحنة **سبعة آلاف شيكل** مقابل نقل الأثاث.
سبعة آلاف شيكل!
في تلك اللحظة أدركت أن للحرب وجهًا آخر غير القصف: أن يصبح اضطرار الإنسان سوقًا، وخوفه سلعة، ونزوحه فرصة للربح.
لا أذكر هذه الحادثة للتشهير بأحد، وإنما لأنها جزء من الحقيقة التي ينبغي أن تُروى. فالحرب لا تختبر قدرتنا على البقاء فقط، بل تختبر أخلاقنا أيضًا: هل نبقى بشرًا حين تضيق بنا الحياة، أم يتحول ألم بعضنا إلى فرصة لبعضنا الآخر؟
## وبعد شهرين... عدنا
عدنا بعد نحو شهرين.
لكن العودة لم تكن عودة إلى المكان الذي غادرناه.
عدنا إلى مدينة أخرى؛ إلى جدران مجروحة، ونوافذ محطمة، وبيوت فقدت أجزاء منها، وشوارع يصعب أحيانًا التعرف إليها.
بحث كل واحد منا بين الركام عن شيء من حياته السابقة.
قطعة أثاث.
كتاب.
صورة.
ورقة.
أو حتى زاوية بقيت كما كانت.
عندها فهمت بصورة أعمق أن تدمير البيت ليس تدميرًا للحجارة وحدها؛ فالبيت ذاكرة الإنسان المادية، وحين يُهدم، يشعر صاحبه أن جزءًا من سيرته الشخصية قد هُدم معه.
ومع ذلك عدنا.
وهذه هي الحقيقة التي ربما يصعب على من لم يعش تجربة غزة أن يفهمها: نحن لا نعود لأن البيوت بقيت، بل لأن الوطن بقي.
لماذا أكتب بعد عام؟
أكتب اليوم لأنني مؤرخ قبل أن أكون شاهدًا، ولأن ما عشناه يجب ألا يتحول بعد سنوات إلى أرقام باردة في كتب التاريخ.
وراء كل رقم إنسان.
وراء كل نازح بيت أُغلق بابه للمرة الأخيرة.
وراء كل بيت مدمر عشرات الحكايات.
ووراء كل عائد إنسان قرر أن يبدأ من الركام مرة أخرى.
لقد حملنا في تلك الليلة بعض متاعنا على ظهورنا، لكننا حملنا معنا ما هو أثقل: **ذاكرة المكان والخوف من فقدانه**.
مرّ عام على تلك النكبة، وما زال الجرح مفتوحًا. مات من مات، وفُقد من فُقد، وهُدمت البيوت، وتغيرت ملامح المدن، لكن شيئًا واحدًا لم تستطع الحرب انتزاعه:
إرادة العودة.
هذه ليست بطولة نرويها عن أنفسنا، ولا كلمات للصمود نكتبها من بعيد. إنها حياة اضطررنا إلى عيشها: ننزح حين يصبح البقاء موتًا، ثم نعود حين يصبح الرجوع ممكنًا، ولو إلى بيت بلا سقف وشارع بلا ملامح.
وفي الذكرى الأولى لتلك الليلة، لا أقول إن غزة لم تنكسر؛ فقد انكسر فيها الكثير، وانكسر فينا الكثير.
لكن الفرق كبير بين أن تنكسر وأن تستسلم.
وغزة، رغم كل ما انكسر فيها، لم تستسلم.
قبل عام حملنا بيوتنا على ظهورنا ورحلنا، ثم عدنا نبحث عنها بين الركام. وربما تكون هذه الحكاية، في اختصارها الشديد، هي حكاية غزة كلها: يُراد لها أن ترحل، فتعود؛ ويُهدم بيتها، فتبدأ من حجارته من جديد.