نساء غزة في مخيمات النزوح... يجدن مساحات نفسية تساعدهن على البقاء

بي دي ان |

31 أغسطس 2026 الساعة 12:03م

صورة من الحدث

من أمام خيمة في مخيم نزوح داخل مواصي مدينة خان يونس فيقطاع غزة، تجلس مجموعة من النساء يرتدين أثواب الصلاة، وترتسم على شفاههن ابتسامات خجولة يسرقنها من هول أحداث حرب الإبادة. 

وتتعالى أصواتهن يدندنّ أغاني فيروز الشهيرة "نسم عليناالهوى"، "راجعين يا هوى"، "على درب المساكين"، هروباً من أعباء معيشية صعبة فرضتها عليهن بيئة النزوح من حمل المياه وإشعال النيران وأعمال أخرى شاقة. 

محاولات إثبات ذاتهن والحفاظ علىكينونتهن؛ فاتخذن من الغناء والخياطة والتطريز والطهي... أنشطة احترازية تدفع بهن إلى خلق مساحتهن الآمنة، خاصة بعدما أكدت تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) أن الحرب على غزة ألحقت خسائر فادحة بالصحة النفسية للنساء. 

وبحسب استطلاعات واختبارات ميدانية أجرتها، فإن 75% من النساء يشعرن بالاكتئاب في كثير من الأحيان، والكوابيس معظم الوقت، بسبب الصدمات المتراكمة. 

ومن خياطة بواقي القماش صنعت نجوى محمد دمى لأطفالها، فتقول: نزحت مع أسرتي من منطقة خربة العدس شمال مدينة رفح إلى المخيم بحثاً عن الأمان، ولكن الخياطة منحتها شيئاً من السعادة الخفية وشعوراً بالنصر، خصوصاً بعد منع الاحتلال الإسرائيلي دخول ألعاب الأطفال منذ اندلاع حرب الإبادة. 

وعن دورالأنشطة سابقة الذكر كعامل إيجابي مُخففٍ للأعراض النفسية السلبية التي تصيب النساء في ظل حرب الإبادة الحالية، يقول الأخصائي النفسي ضياء أبو عون: هي آليات "بقاء نفسي"، فمن خلال هذه الأنشطة نستطيع نقل تركيزنا من الخوف وأهوال الحرب المواتية إلى نشاط ممتع يحتاج منا لتركيز وإعادة توجيه انتباهنا،مضيفاً: ويساعدنا على كسر دوامة التفكير الكارثي، معتبراً الغناء يُنظم التنفس ويُخفض الكورتيزون، وأما الخياطة فتمنح شعوراًبـ"التحكم" في عالم خرج عن السيطرة، على حد قوله.

 وهكذا، أخبرتنا نهى شحادة، معلمة رياضيات، أنها وجدت من تدريس طلاب المخيم أمام خيمتها طريقاً لاستعادة ذاتها من ضغوطات الأوضاع المعيشيةالقاسية، وببعض المسابقات الرياضية والفوازير اتبعت طلوع حسن أسلوباً يمنح أطفال المخيم المتعة والمرح، فتمكنت من تفريغ طاقاتهم. 

فعند ممارسة النساء التدريس والتطريز يثبت العقل على "الحاضرالآمن"، يؤكد أبو عون ويكمل حديثه: "فبهذه الأنشطة تُعيد الاعتبار للهوية الأنثوية كقوة مُنتجة في وجه الموت"، مُلفتاً إلى أن بعض النساءأصبحن يُعانين من وسواس قهري ومتلازمة القولون العصبي الشديدة الناجمة عن الخوف المزمن بشكل مبالغ فيه كاستجابة للخوف منالانتهاك.

وعلى نحو ليس بجديد، تبتدع نساء المخيم نشاطات متنوعة ليخلقنمساحة شبه آمنة للبقاء على قيد الحياة. فمنهن من يتبادلن وصفات الطهي ويقمن بإعداد الأطباق الشهية على قدر المتوفر والمستطاع،وأخريات يقمن بأعمال أخرى مثل الكروشيه؛ فيقول أبو عون مُنوهاًبأنها وسائل مساعدة تُبقي العقل في حالة نشاط دائم، لكنها لا تعالج جروح الإبادة، بل تُساعد على "استمرار الحياة" لحين توفر الدعم النفسي الجاد.

وهنا، نساء المخيم يختتمن جلستهن بدندنات: "مْنوَدِّع زمان، مْنروح يازمان ينسانا على أرض النسيان"، تلهمهن الصبر والسلوان، يوصلن بها رسالة إيمان وثبات بحب الحياة والرغبة الشديدة في العيش بسلام وأمان، صانعاتٍ تحدياً جلياً لظروف المعيشة القاسية، وأملاً يبقيهن وعوائلهن على سبيل التعافي.