دحلان والديمقراطية: هل تغيّر الرجل أم تغيّرت اللغة؟
بي دي ان |
30 أغسطس 2026 الساعة
12:36م
الكاتب
قرأت رسالة الاخ محمد دحلان، رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي، الموجهة إلى قيادات وكوادر تياره باهتمام، وهي رسالة طويلة نسبياً، لكنها تطرح أفكاراً تستحق التوقف عندها، خصوصاً ما يتعلق بالتعددية السياسية، ودولة المواطنين، وسيادة القانون، وتداول السلطة، ورفض الإقصاء واستخدام السلاح في الصراع الداخلي.
في الإطار العام، يصعب الاختلاف مع ما ورد فيها.
لكنني، وأنا أقرأها، لم أستطع أن أفصل النص عن صاحبه، ولا الحاضر عن الماضي.
عرفت محمد دحلان في الجامعة الإسلامية، قبل أن يصبح واحداً من أبرز رجال السلطة الفلسطينية، رئيساً لجهاز الأمن الوقائي، ووزيراً، وأحد أبرز وجوه الصراع بين فتح وحماس. ولذلك كان طبيعياً أن أتساءل: هل نحن أمام مراجعة سياسية حقيقية لتجربة الماضي، أم أمام لغة سياسية جديدة تفرضها مرحلة مختلفة؟
لا أقول ذلك لإدانة الرجل أو لمصادرة حقه في مراجعة مواقفه، فالإعتراف بالخطا فضيلة سياسية وأخلاقية فالسياسي، من حقه أن يتعلم من تجربته وأن يغير قناعاته.
لكن المراجعة الحقيقية تبدأ من الاعتراف.
ومن أكثر ما لفتني في رسالته قوله إننا لا نريد مصالحة تطمس الحقيقة، ولا وحدة تقوم على النسيان، وإن على الجميع أن يعترف بما أخطأ فيه ويتعلم منه.
وأنا أتفق معه تماماً.
لكن هذا المبدأ يجب أن يكون عاماً، لا انتقائياً.
فإذا كنا نريد بناء نظام سياسي جديد، فعلينا أن نفتح ملف تجربتنا الوطنية كلها، وأن يسأل كل طرف نفسه: أين أخطأنا؟ وماذا فعلنا حين امتلكنا السلطة؟ وكيف تعاملنا مع الخصوم؟ وهل كنا فعلاً نؤمن بالديمقراطية عندما كانت نتائجها لا تتفق مع مصالحنا؟
هذه الأسئلة لا تخص دحلان وحده، بل تخص فتح وحماس وكل الفصائل، وتخصنا جميعاً.
لا أعتقد أن المطلوب من محمد دحلان أن يدافع عن ماضيه، ولا أن يبقى أسيراً له. المطلوب فقط أن يكون واضحاً في مراجعته، صريحاً في تقييم تجربته، ومتسقاً بين ما يقوله اليوم وما يؤمن به ويمارسه غداً.
فالديمقراطية التي تحدثت عنها رسالته لا تُقاس بجمال العبارات، وإنما بمدى الإيمان بها عندما تكون نتائجها ومخرجاتها في غير مصلحة الفرد أو الفصيل. والتعددية لا تعني فقط قبول المختلف عندما يكون خارج السلطة، وإنما احترام حقه عندما يصبح شريكاً أو منافساً. وسيادة القانون لا تكتمل إذا كان تطبيقه يتغير بتغير موازين القوة.
لذلك، فإنني أتعامل مع رسالة دحلان باعتبارها دعوة تستحق النقاش، لا حكماً نهائياً على الماضي.
وإذا كان الرجل قد تغير فعلاً، فأهلاً بهذا التغيير، وإذا كان قد راجع تجربته، فالأهم أن نرى أثر هذه المراجعة في مواقفه وممارساته.
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً للصراع الفصائلي، ولمنطق الإقصاء، ولتحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية وتنظيمية. ولم يعد يحتمل أن نعيد إنتاج التجربة نفسها بلغة جديدة.
وأتمنى، في هذا السياق، أن تعيد حركة حماس أيضاً قراءة تجربتها بقدر مماثل من الشجاعة والمسؤولية، وأن تدرك أن أي حركة سياسية، مهما كان تاريخها أو حجمها أو ما تؤمن به من أفكار، ليست فوق النقد والمراجعة والمساءلة.
وفي المقابل، فإن فتح مطالبة بمراجعة تجربتها الطويلة في إدارة السلطة، وما رافقها من أخطاء سياسية وإدارية، ومن مظاهر الفساد والمحسوبية واستئثار بعض مراكز النفوذ بالقرار، وما أصاب مؤسسات السلطة من ترهل وتراجع في الثقة الشعبية.
نحن بحاجة إلى فصائل قوية، لكننا بحاجة أكثر إلى فصائل تؤمن بأن قوتها ليست في إقصاء الآخرين.
وبحاجة إلى انتخابات، لكننا بحاجة قبلها إلى ثقافة تحترم نتائجها.
وبحاجة إلى تعددية، لكن ليس إلى تعددية تتحول إلى محاصصة.
وبحاجة إلى قيادات تمتلك الشجاعة ليس فقط في الدفاع عن مواقفها، وإنما في الاعتراف بأخطائها أيضاً.
لذلك يبقى سؤالي للأخ محمد دحلان، كما هو سؤالي لكل القيادات الفلسطينية:
هل تغيرنا فعلاً، أم أننا فقط غيرنا اللغة؟
الإجابة لن تقدمها البيانات والرسائل، وإنما ستقدمها الممارسة.
فالزمن لم يعد يحتمل المزيد من الشعارات، والشعب الفلسطيني أصبح أكثر حاجة إلى أفعال تثبت صدق الكلام.
بي دي ان |
30 أغسطس 2026 الساعة 12:36م
في الإطار العام، يصعب الاختلاف مع ما ورد فيها.
لكنني، وأنا أقرأها، لم أستطع أن أفصل النص عن صاحبه، ولا الحاضر عن الماضي.
عرفت محمد دحلان في الجامعة الإسلامية، قبل أن يصبح واحداً من أبرز رجال السلطة الفلسطينية، رئيساً لجهاز الأمن الوقائي، ووزيراً، وأحد أبرز وجوه الصراع بين فتح وحماس. ولذلك كان طبيعياً أن أتساءل: هل نحن أمام مراجعة سياسية حقيقية لتجربة الماضي، أم أمام لغة سياسية جديدة تفرضها مرحلة مختلفة؟
لا أقول ذلك لإدانة الرجل أو لمصادرة حقه في مراجعة مواقفه، فالإعتراف بالخطا فضيلة سياسية وأخلاقية فالسياسي، من حقه أن يتعلم من تجربته وأن يغير قناعاته.
لكن المراجعة الحقيقية تبدأ من الاعتراف.
ومن أكثر ما لفتني في رسالته قوله إننا لا نريد مصالحة تطمس الحقيقة، ولا وحدة تقوم على النسيان، وإن على الجميع أن يعترف بما أخطأ فيه ويتعلم منه.
وأنا أتفق معه تماماً.
لكن هذا المبدأ يجب أن يكون عاماً، لا انتقائياً.
فإذا كنا نريد بناء نظام سياسي جديد، فعلينا أن نفتح ملف تجربتنا الوطنية كلها، وأن يسأل كل طرف نفسه: أين أخطأنا؟ وماذا فعلنا حين امتلكنا السلطة؟ وكيف تعاملنا مع الخصوم؟ وهل كنا فعلاً نؤمن بالديمقراطية عندما كانت نتائجها لا تتفق مع مصالحنا؟
هذه الأسئلة لا تخص دحلان وحده، بل تخص فتح وحماس وكل الفصائل، وتخصنا جميعاً.
لا أعتقد أن المطلوب من محمد دحلان أن يدافع عن ماضيه، ولا أن يبقى أسيراً له. المطلوب فقط أن يكون واضحاً في مراجعته، صريحاً في تقييم تجربته، ومتسقاً بين ما يقوله اليوم وما يؤمن به ويمارسه غداً.
فالديمقراطية التي تحدثت عنها رسالته لا تُقاس بجمال العبارات، وإنما بمدى الإيمان بها عندما تكون نتائجها ومخرجاتها في غير مصلحة الفرد أو الفصيل. والتعددية لا تعني فقط قبول المختلف عندما يكون خارج السلطة، وإنما احترام حقه عندما يصبح شريكاً أو منافساً. وسيادة القانون لا تكتمل إذا كان تطبيقه يتغير بتغير موازين القوة.
لذلك، فإنني أتعامل مع رسالة دحلان باعتبارها دعوة تستحق النقاش، لا حكماً نهائياً على الماضي.
وإذا كان الرجل قد تغير فعلاً، فأهلاً بهذا التغيير، وإذا كان قد راجع تجربته، فالأهم أن نرى أثر هذه المراجعة في مواقفه وممارساته.
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً للصراع الفصائلي، ولمنطق الإقصاء، ولتحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية وتنظيمية. ولم يعد يحتمل أن نعيد إنتاج التجربة نفسها بلغة جديدة.
وأتمنى، في هذا السياق، أن تعيد حركة حماس أيضاً قراءة تجربتها بقدر مماثل من الشجاعة والمسؤولية، وأن تدرك أن أي حركة سياسية، مهما كان تاريخها أو حجمها أو ما تؤمن به من أفكار، ليست فوق النقد والمراجعة والمساءلة.
وفي المقابل، فإن فتح مطالبة بمراجعة تجربتها الطويلة في إدارة السلطة، وما رافقها من أخطاء سياسية وإدارية، ومن مظاهر الفساد والمحسوبية واستئثار بعض مراكز النفوذ بالقرار، وما أصاب مؤسسات السلطة من ترهل وتراجع في الثقة الشعبية.
نحن بحاجة إلى فصائل قوية، لكننا بحاجة أكثر إلى فصائل تؤمن بأن قوتها ليست في إقصاء الآخرين.
وبحاجة إلى انتخابات، لكننا بحاجة قبلها إلى ثقافة تحترم نتائجها.
وبحاجة إلى تعددية، لكن ليس إلى تعددية تتحول إلى محاصصة.
وبحاجة إلى قيادات تمتلك الشجاعة ليس فقط في الدفاع عن مواقفها، وإنما في الاعتراف بأخطائها أيضاً.
لذلك يبقى سؤالي للأخ محمد دحلان، كما هو سؤالي لكل القيادات الفلسطينية:
هل تغيرنا فعلاً، أم أننا فقط غيرنا اللغة؟
الإجابة لن تقدمها البيانات والرسائل، وإنما ستقدمها الممارسة.
فالزمن لم يعد يحتمل المزيد من الشعارات، والشعب الفلسطيني أصبح أكثر حاجة إلى أفعال تثبت صدق الكلام.