نبضٌ مؤجل: شهادات حية لنساء يطرقن باب الأمومة عبر زراعة الأنابيب

بي دي ان |

29 أغسطس 2026 الساعة 08:41م

الأم نهيل وأطفالها
في قطاع غزة، لا تبدأ رحلة الأمومة من غرفة الولادة ، ولكنها تبدأ من موعد طويل أمام العيادة النسائية ،داخل تلك الغرفة في مركز "زينة الحياة" للإخصاب وأطفال الأنابيب الذي ينبثق من زواياها ضوء الكهرباء المستقر، وتضم جدراناً حقيقية وقطع أثاث مرتبة.
 
جلست أتبادل الحديث مع نهيل، التي أتمّت عامها الثلاثين قبل أيام، بينما كانت تراقب شاشة التلفاز التي تبث الأخبار حولها، بدا المشهد عاديًا إلى حدِ يصعب تصديقه في زمن الحرب، غرفة مغلقة، جدران إسمنتية، كهرباء مستقرة ومروحة تدور بهدوء، تفاصيل يومية بسيطة تحولت، منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى ترف بعيد المنال لآلاف النازحات اللواتي يعشن تحت الشوادر البلاستيكية وفي خيام شديدة الحرارة.
 
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة، ابتسامة امتنان لنفسها بعد رحلة شاقة بدأت مع أول خيوط الفجر، كانت قد غادرت مع زوجها خيمتهم في مواصي خانيونس ، تقطع الطريق الطويل وصولاً إلى النصيرات مع حلول السابعة صباحاً ، تسابق الوقت لحجز دور متقدم للدخول إلى عيادة الدكتور ماهر عجور، طبيب جراحة النساء والولادة وعلاج العقم وتقنيات الإخصاب المساعد (أطفال الأنابيب والحقن المجهري) في قطاع غزة ، رغم يقينها التام بأن الأبواب لا تزال مغلقة في ذلك الوقت الباكر.
طوال الشهور الماضية ، تقول نهيل : " ليالي طويلة كانت الدموع مرافقة لي ، تتساقط بحرقة مما أسمعه من همسات لا تنقطع من والدة زوجي ، و إلحاحها الدائم على أن يتزوج ابنها بأخرى تمنحه الذرية رغم وجود طفلي الوحيد أحمد ،كانت كلماتها المتكررة كخنجر يمزق صفو حياتنا الزوجية، فبين الحين والآخر زرعت توتراً وخلافات كثيرة جعلتني أشعر أنى في سباق مع الزمن لكي أثبت حقي في البقاء داخل قلب زوجي وبيته.
 
"ووسط قسوة النزوح ومرارة الخلافات العائلية، وقف محمد رافضاَ طلب أمه ليتزوج غيري ، وترجم لي حبه، بحجزه موعد الطبيب ومعرفة تفاصيل الزراعة دون علمي، لنبدأ رحلة العلاج والزراعة معاً من الصفر، لنتمسك بالأمل حتى الرمق الأخير، ونترقب معجزة تمحو أثر كل كلمة قاسية وجهت إلي، لنحتضن طفلاً جديداً يكون طوق نجاة لبيتنا وحياتنا"، تختم نهيل بحسم.
 
ويمثل هذا المركز نقطة التلاقي لرحلات شاقة تخوضها النساء نحو حلم الأمومة عبر تقنيات الإخصاب المساعد (أطفال الأنابيب والحقن المجهري) التي لم تكن طريقها سهلة بل مرصوفة بمئات الإبر، والفحوصات القاسية، والترقب المرهق الذي يستنزف الأجساد والأرواح وألاف من الدولارات رسوما للعملية، وعلى الرغم من اختلاف بيئاتهن وحكاياتهن الشخصية و أسباب لجوئهن للزراعة، إلا أن الهدف الأقوى هو صرخة ناطقة بالحياة ،تحول زوايا البيوت والخيام إلى دفءٍ ينتظر قدوم طفل ،يعوض ما قتله الحرب من أرواح برئية ،ولو قليلاً.
 
لم تكن هذه المرة الأولى التي تطرق فيها أماني باب العلاج، فقد حملتها محاولات سابقة بين مراكز طبية مختلفة منذ سنوات ، وفي كل مرة كانت تعود محمّلة بخيبة جديدة، ومع ذلك، دخلت هذه التجربة وهي تتشبث بخيط رفيع من الأمل، كأنها تقنع نفسها بأن هذه المرة قد تحمل نهاية مختلفة لكل ما سبقها ، كان قلبها يتعامل مع المحاولة وكأنها الأولى، يستعيد قدرته على الرجاء رغم ما جراح التجارب السابقة، والخوف من الفشل ، فهي تعرف جيدًا قسوة الانتظار حين ينتهي بلا نتيجة.
 
وسط بطء الساعات وثقل الانتظار، راقبت أماني المكان بصمت، ثم همست لصديقتها شادية: "ثلاث محاولات لن تحبط عزيمتي، فالطريق إلى طفل طال انتظاره يستحق التمسك بالأمل في أن تتبدل حياتي هذه المرة"، ورغم أنها تعلم، كغيرها من النساء، أن إجراءات الإخصاب متوقفة تماماً بسبب حظر الاحتلال لدخول المستلزمات الطبية منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، فإن جلوسها في العيادة لم يكن مجرد انتظار لمعاينة طبية، بل تشبثاً بأمل في بداية جديدة.
 
تحت نقابها، لم تفلح محاولات شادية في حبس دموعها وهي تقف لمساندة صديقتها أماني ، فهي تعرف تفاصيل رحلة الإخصاب وصعوبتها من واقع تجربتها الطويلة قبل الحرب ،لكنها اليوم تحمل جسد مشوه وجراح بالغة بعدما بقيت لأيام طويلة تحت الركام الي ان انتشلوها من تحت أنقاض منزلها في مخيم البريج عام 2024، لتدرك مع اقترابها من الأربعين أن فكرة الحمل من جديد باتت مستحيلة في ظل انعدام المأوى والمال والقدرة الصحية.
 
تستحضر شادية تفاصيل سنواتها السابقة: "كنت أحرم نفسي من كل شيء وأدخر الشيكل فوق الشيكل حتى أنجبت محمد بالزراعة، ثم أحمد بالتلقيح المجهري، وكان حملي الأخير في هبة هو الأصعب ، فقد حذرني الأطباء مراراً بالخطر الكبير على صحتي لكني أصررت بإكمال الزراعة بسبب ضغط عائلة زوجي ورغبتهم في كثرة الإنجاب".
 
تسكت شادية قبل أن تنفجر في البكاء: "كل تعب السنين ضاعوا في لمح البصر لما استشهدوا الثلاثة بصاروخ، وتركوني أنا وزوجي لحالنا".
تجلس آية التي تجاوزت الخامسة والأربعين في زاوية الانتظار، نظراتها معلقة على باب العيادة المغلق، فقد قطعت الطريق من غزة في رحلة مواصلات شاقة لتصل باكراً، لكنها فوجئت بأن دورها تجاوز الرقم ثلاثين، رغم أن الساعة لم تتخطي الحادية عشرة صباحاً والمركز لا يفتح أبوابه إلا عند الظهيرة.
 
تقول آية: وهي تستحضر دافع قدومها: "تابعت إعلانات المركز وفيديوهات حالات الحمل على فيسبوك وتشجعت أن آتي، تزوجت مؤخراً خلال الحرب، وفي عمري هذا أشعر أن كل يوم يمر يسرق مني فرصة الأمومة".
تتابع آية ملفها الطبي في المركز منذ أكثر من ستة أشهر وسط قائمة انتظار طويلة: "أخبرني الدكتور ماهر أن هناك أكثر من مئتي سيدة ينتظرن بدء عمليات التلقيح وأطفال الأنابيب، وعدني أن نبدأ خلال شهرين، لكن كل شيء معلق بشرط واحد، أن يسمح الاحتلال بإدخال المواد والمستلزمات الطبية اللازمة للزراعة ونحن ننتظر على أعصابنا".
 
لا تتوقف هذه المعاناة عند حدود عيادة واحدة، ففي مستشفى الحلو الدولي تتكرر المشاهد ذاتها، حيث تصطف عشرات النساء في طوابير انتظار طويلة بحثاً عن أمل في بدء مسار الإخصاب المساعد.
يوضح الدكتور محمد الحلو، استشاري علاج العقم وأطفال الأنابيب، أن العائق الأساسي أمام إجراء العمليات يكمن في الحصار المشدد، إذ يمنع الاحتلال الإسرائيلي دخول المستلزمات الطبية والوسائط الحيوية الخاصة بزراعة الأجنة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
ويضيف الحلو : أن "التعقيد لا يقف عند نقص المواد فقط، بل يمتد لأزمة الطاقة، فالمولدات التجارية تفصل الكهرباء بعد منتصف الليل، والبدائل مثل بطاريات التخزين وألواح الطاقة الشمسية ممنوعة من الدخول وتكلفتها باهظة إن وُجدت، هذا الانقطاع يهدد عينات الأجنة بالتلف الفوري، خاصة أن الأدوية والإبر الهرمونية تتطلب درجات تبريد دقيقة وصارمة لا تحتمل أي خلل، مما شكل إيقافاً كاملاً في عمليات زراعة الأجنة في القطاع على مدار أشهر الحرب وحتى الأن".
 
أمام هذا الواقع الصعب، لا تبدو رغبة هؤلاء النساء في الإنجاب مجرد حلم عابر، بل محاولة لانتزاع الحياة وسط الفقدان ، حيث وثقت بيانات وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد أكثر من 21,700 طفل منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وتُظهر الأرقام توثيق استشهاد 1,127 رضيعاً قبل أن يكملوا عامهم الأول، إلى جانب 527 مولوداً ُ فقدت حياتهم خلال أيامهم وأشهرهم الأولى في ظل الاستهداف الاسرائيلي المتواصل على قطاع غزة .
 
ولا تتوقف المأساة عند تعطل غرف الإخصاب، بل تمتد لتخنق الأجنة في بطون أمهاتها، إذ تظهر البيانات التوثيقية للنصف الأول من عام 2026 تسجيل نحو 3,958 حالة إجهاض في قطاع غزة، بمعدل عام بلغ 208.5 حالات لكل ألف ولادة حية، وهو ما يتجاوز عتبة الخطر العالمية بأضعاف مضاعفة، وتصدرت محافظة غزة المشهد مسجلة 1,685 حالة إجهاض، تلتها محافظة خان يونس بـ 1,145 حالة، ومن ثم الوسطى بـ 1,128 حالة.
 
وبلغت الأزمة ذروتها في نيسان/أبريل 2026، حيث قفز معدل الإجهاض إلى 377.2 لكل ألف ولادة بالتزامن مع انهيار الولادات الحية بنسبة تتجاوز 61%. ولم يعد الخطر محصوراً في الأشهر الأولى، بل امتد للثلث الثاني من الحمل ليسجل 26.4% من مجمل الحالات (1,045 حالة) وهو مؤشر غير مسبوق عالمياً يعكس عجز النساء عن الوصول للمستشفيات، وتفشي سوء التغذية، وتلوث المياه، ونزوح أكثر من 85% من السكان وفق بيانات نشرتها وزارة الصحة الفلسطينية ، فهكذا تُحاصر الأمومة في غزة بين حلم معلق بالزراعة يمنعه الحصار، وحمل طبيعي تجهضه الحرب والنزوح، لتبقى رغبة البقاء والنسل معركة يومية تخوضها نساء القطاع .