البيت الفتحاوي على المحك: المصالحة الداخلية ضرورة لا ترف سياسي

بي دي ان |

26 أغسطس 2026 الساعة 10:57م

المشرف العام
في خضمّ الواقع السياسي المتشرذم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، والذي يبحث فيه عن منقذ يأخذ بيده إلى الخلاص من الهاوية وينقله من ضيق الزاوية إلى فسحة العيش والحياة، فممّا لا شك فيه أن الحالة الفلسطينية الحالية هي الأسوأ خلال عقود مضت بعدما وصلت إلى أدنى مستوياتها؛ إذ أصبح التخبط سمة المرحلة، ووصل الشعب إلى قمة الاستسلام وبات يلعب دور المتفرج، بل وأسوأ من ذلك، فهو ينفذ دوراً صُمّم له، ويعيش واقعاً فُرض عليه بكامل عجزه بعدما فقد مقدراته وقدرته على تحمل الأهوال، في ظل حرب وقع تحت رحاها مرغماً، بعد استفراد فصيل فلسطيني بقرار سيّء الصيت والنتائج.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه أهل الخيام في غزة تحديداً عن مخلّص من هذا الجحيم، يصدر الرئيس محمود عباس قراراً بإجراء انتخابات برلمانية في الثامن والعشرين من نوفمبر القادم، وسط جدليات سياسية كثيرة؛ بدءاً من صوابيتها في هذا التوقيت، مروراً بكيف وماهي، وإجراءات ما بعد العملية الانتخابية. وهي أسئلة كثيرة تحتاج لإجابات قد لا تتوفر لدى العديد من الفصائل التي غابت كثيراً في أكثر المراحل التي استوجبت حضورها، وفشلت في أداء مهامها وإثبات حضورها الوطني في ظل حرب التهمت وحرقت كل شيء.
مؤخراً، شهدت العاصمة المصرية جولات مكوكية وحضوراً فصائلياً كان الأولى به أن يتحرك في ذروة الحرب، بل وحتى اليوم؛ حيث لا زالت نيران الحرب تشتعل في القلوب المكلومة قبل البيوت المهدمة.
تحركت الفصائل لبحث الانتخابات التشريعية المعلن عنها وكأن شيئاً لم يكن، وكأن الجميع كان حاضراً بقوة، في حالة استخفاف بدماء الشهداء وجراح المواطنين، وفي المقابل حالة استهجان ممن تُرِكوا عُزّلاً وسط قذائف العدو التي لاحقتهم عبر أكثر من ألف يوم. وحقيقة، أجد في ذلك جرأة بلا معنى، أشبه بحالة فصائلية تحلق وحدها في الفضاء.
وبعد إعلان التيار الإصلاحي نيته تشكيل تحالف انتخابي يضم التيار وحركتي حماس والجهاد الإسلامي وغيرها من القوى التي غاب عنها الحضور القوي، تشكّلت صدمة كبيرة لدى الغالبية، بما فيها نخب وكتاب وشخصيات وازنة عاشت تفاصيل وعذابات الحرب وحدها كباقي الشعب، خاصة النازحين في الخيام الذين يدركون جيداً سبب وجودهم في هذا المربع الذي رسم نهايات لحياتهم وأمنياتهم.
وبنظري، لا يوجد أي مبرر لتحالف التيار مع حماس، ولا داعي لأن يكون طوق نجاة لها؛ خاصة في ظل انعدام الانسجام السياسي والبرنامج الانتخابي لكل منهما، ولخصومة سابقة بين الطرفين لن ينساها أبناؤهما وإن أرادت القيادات ذلك. علماً أن هناك قيادات وازنة لدى الطرفين —وتحديداً في التيار الإصلاحي— لا تستسيغ هذا التحالف. أضف إلى ذلك، فإن الموالين للتيار في غزة تحديداً، والذين كان من الممكن أن ينتخبوه لأسبابهم الخاصة، لن يصوتوا لقائمة تشمل حركة حماس إذا استمر هذا التحالف الذي غالباً لن يُكتب له النجاح لأساب موضوعية. وهنا يبرز تساؤل: هل يدرك التيار هذه الحقائق؟ وإن كان يعي ذلك، فهل كانت هذه الورقة مجرد أداة للضغط على حركة فتح للمضي قدماً نحو المصالحة الفتحاوية؟
نعم، كانت هناك جولات عدة في عواصم متعددة وتدخل عربي معتبر للوصول إلى ترتيب البيت الفتحاوي، لكن المحاولات لم تنجح بعد. وندرك أن في كل انقسام مستفيدين بشكل خاص على حساب الحركة ووحدتها، ولهذا كان لابد من توفير كل السبل لتوحيد البيت الفتحاوي بدلاً من الوصول إلى هذا المربع الذي يشكل انتقاصاً للطرفين.
إن لقاء القياديين حسين الشيخ، وماجد فرج، وروحي فتوح بالقيادي سمير المشهراوي يُعد خطوة بالاتجاه الصحيح. ورغم التصريحات الإيجابية المعلنة، إلا أن هذا لا يعني تحقّق النجاح؛ فسابقات الفشل كثيرة. بالتالي، يُطلَب من الطرفين تقديم تنازلات لها مبرراتها الوطنية في ظل المشهد الفلسطيني المعقد والأخطر على القضية الفلسطينية على الإطلاق. كما أنه ليس لدينا متسع من الوقت لفرض اشتراطات، ولا يجوز ربط المصالحة الفتحاوية بحوار مع حماس أو ما شابه؛ فليكن الملف الفتحاوي منفصلاً عن أي موضوع آخر بإمكانه إفشال المساعي، بغض النظر عن نجاح إجراء الانتخابات التشريعية أو تأجيلها، فالمصالحة الفتحاوية ضرورة وطنية بامتياز لم يعد مبرراً تأجيلها أو العبث بجدية الفعل والنوايا.
وعلى الرغم من الظرف الاستثنائي لقرار إجراء الانتخابات البرلمانية، ومدى جدية المواطنين في النظر إليها في ظل اختلاف أولوياتهم التي تتمثل في توفير الاحتياجات الأساسية كمأكل ومشرب ومسكن وأمن واستقرار، وصعوبة إجراءها في القدس، ووجود تحديات جمة في الضفة، إلا أنه استوجب الانتباه لبعض المحاذير لدى الطرفين:
 الأول: استمرار تحالف التيار الإصلاحي مع حركة حماس.
 الثاني: استمرار الانقسام بين فتح والتيار.
 الثالث: إصرار بعض القيادات التقليدية الفتحاوية على الترشح على قائمة الحركة، حيث لا بد من مراعاة الغضب المشتعل لدى الكادر الفتحاوي، لا سيما على خلفية انتخابات ونتائج المؤتمر الثامن.
هذا في حال تم إجراء الانتخابات التشريعية دون تأجيل، وحتى إن تم التأجيل، فلتكن فرصة مناسبة لترتيب البيت الفتحاوي وإصلاح الحركة بما يليق بتاريخ فتح وقيادتها لشعب يستحق أن تكون له قيادة حكيمة، قوية، وتترفع في قراراتها لصالح قضية وشعب يستحق.