الجَيْشُ الصَّهْيُونِيُّ ادَّعَى أنَّهُ قَاتَلَ الغيْلَانَ، مِنْ مَلَاحِمِ هِرْبِيَا إِلَى صُمُودِ غَزَّةَ

بي دي ان |

26 أغسطس 2026 الساعة 02:14م

الكاتب
في الموروث الشعبي الفلسطيني، كما في الحالمة العربية العامة، يتشابك مصطلح "الغول" بين الأسطورة المتوارثة والحكاية الشعبية الرامزة، لينتمي في أصوله الرمزية إلى أحد بطون هذه العائلة الميثولوجية العريقة.

تعوّدت المخيلة الجمعية على تصوير الغول ككائن عملاق مرعب يقطن الأماكن المهجورة، والكهوف البعيدة، والجبال الشاهقة، أو أطراف الصحاري القاسية، ليظهر بغتةً فيروع الغزاة الأجانب ويضلل السائرين في طرقات الغي.

وقيل في الأسطورة إن الغول يمتلك قدرة فائقة على التحول وإعادة التشكل، ممتلكاً هيئة البشر ليدحر ضحاياه؛ وهو ما يعكس ثراء الخيال الشعبي العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص من خلال الإيمان بالرموز العميقة.

غير أن الغول في الوعي الفلسطيني الأصيل يحمل وجهًا مغايرًا للشر التقليدي؛ فهو كائن وفيٌّ لبيئته، مرتبط بالطبيعة القاسية، يخرج من بين الركام والأرض المحروقة ليواجه كل من يغتصب حق صاحب الأرض أو يستبيح الديار.

أما في قطاع غزة، الذي خاض ولا يزال يخوض غمار ملحمة إبادة جماعية واستبسال أسطوري، فتتجلى أعمق مقومات البقاء التي يعجز عن إدراكها القادة في تل أبيب وحلفاؤهم في واشنطن.

فهناك شعبٌ متجذر في ثراه كأشجار الزيتون، تختزن ذاكرته روايات التحدي وملاحم الصمود التي كسرت مخططات التهجير القسري، لتغدو هذه البسالة الوطنية هي المفتاح الحقيقي لنزع الاعتراف بالدولة والسيادة.

فعلى مدى أعوام من القصف المتواصل والتدمير الشامل —حيث خُصص لكل مواطن في القطاع، بما في ذلك الأطفال والرضع، مئات الكيلوغرامات من المواد شديدة الانفجار، فارتقى عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى بغالبيتهم الساحقة من النساء والأطفال— مما جعل جيش الاحتلال يقف عاجزاً عن كسر الإرادة أو معرفة الحجم الحقيقي لخسائر المقاومة، مفصحاً عن تخبطه وارتباكه المستمر.

إن التعبير الأكثر إفصاحاً عن الهزيمة النفسية والعسكرية للاحتلال يكمن في الشهادات المتكررة لجنوده وضباطه على ساحات المعارك؛ حيث صرح العديد منهم مراراً بأنهم يواجهون «كائنات غير بشرية» تخرج من تحت الأرض ومن بين أنقاض الركام.

ويبدو جلياً أن فرع "الغول" الميداني يقدم أفعالاً خارقة حيرت قيادات الحركة الصهيونية ومصممي عقيدتها العسكرية، إلى جانب حركات الشعوذة والنفوذ الداعمة لها.

إنها تلك "الغولة" القديمة المنتسبة لقرية "هربيا" التاريخية، والتي عاودت نشاطها دفاعاً عن غزة في مواجهة أشرس وأوحش عدوان عرفته البشرية على وجه اليابسة، مؤكدة هي وذريتها أن الغيلان لن تصمت حتى تعود عائلات هربيا وبقية القرى المهجرة إلى ديارهم السليبة.

تضرب جذور هذه الملحمة عميقاً في التاريخ؛ ففي عام النكبة 1948، هُجّرت عشرات القرى الفلسطينية الممتدة على الساحل والجنوب وهُجر أهلها قسراً إلى قطاع غزة، وكانت قرية "هربيا" في صدارة تلك البلدات المنكوبة.

 

ولعل للتاريخ نداءات لا تهدأ؛ فقد شهدت أراضي هربيا قديماً، في السابع عشر والثامن عشر من أكتوبر عام 1244م، واحدة من أشرس المعارك الفاصلة ضد التحالف الصليبي-الداخلي، والتي أُطلق عليها المؤرخون اسم "معركة حطين الثانية" أو "معركة غزة"، حيث تحطمت على تربتها كبرياء القوى الغازية.

تقع هربيا إلى الشمال من مدينة غزة بنحو خمسة عشر كيلومتراً، وترتفع زهاء خمسة وعشرين متراً عن سطح البحر، وتمتد أراضيها على الحوض الأدنى لوادي الحسي، محصورة بين رمال عسقلان شمالاً ورمال بيت لاهيا جنوباً، لتلتقي بوشاح البحر الأبيض المتوسط غرباً.

بلغت مساحة أراضيها قبيل النكبة أكثر من اثنين وعشرين ألف دونم، خُصص منها نحو اثنين وأربعين دونماً للمباني والمساكن، فيما كانت تحيط بها بساتين غناء واسعة من الحمضيات، والكروم، والخضروات، والفاكهة، حتى تجاوز عدد بياراتها المئة والخمسين بيارة.

ويرجح أن اسم "هربيا" مشتق من كلمة كنعانية قديمة تعني "الوفرة والكثرة"، وهو ما يترجم غنى تربتها الخصبة وعطاء أرضها.

شهدت القرية نمواً ديموغرافيًا متسارعاً؛ إذ بلغ عدد سكانها عام 1922 نحو ألف نسمة، ليرتفع عام 1931 إلى أكثر من ألف وخمسمئة، ووصل عام 1945 إلى نحو ألفين وثلاثمئة نسمة، وصولاً إلى زهاء ثلاثة آلاف نسمة قبيل النكبة.

وتوسعت بيوتها من مئتين وثلاثين منزلاً في الثلاثينيات لتتجاوز الأربعمئة منزل عشية التهجير. واعتمد الأهالي بشكل أساسي على زراعة الحمضيات والعنب والخضروات الصيفية، إلى جانب احتراف صيد الأسماك لقربهم الشديد من الشاطئ.

وكان بالقرية مدرسة ابتدائية تأسست عام 1922، ومسجد، ودكاكين بسيطة شكلت النواة الاقتصادية للمجتمع المحلي. كما تميزت هربيا بتنوع عائلاتها وعراقة أسرها، مثل: الغول، وكريزم، وسالم، والشرافي، ومقبل، والكومي، والعرابيد، والداعور، وأبو جلهوم، وأبو عوكل، وأبو ظاهر، وأبو عميرة، والتري، وعبد الرحمن، ودواس، وعسكر، وإمديرس، وأبو مسامح، وشاهين، والخطيب، والبيبة، وجابر، وشح، والنحال، وغيرها من العائلات التي نسجت مجتمعاً قروياً متماسكاً.

وفي عدوان عام 1948، استُهدفت هربيا بضراوة ضمن العملية العسكرية الصهيونية المسماة "يوآف"؛ إذ قُصفت بالطيران والمدفعية في منتصف أكتوبر، وسقطت بالكامل تحت الاحتلال في أوائل نوفمبر.

وعلى أنقاضها وأراضيها المصادرة، أقام الكيان الصهيوني عدة مستوطنات استعمارية، أبرزها "يد مردخاي" التي توسعت على حساب أراضي القرية، إلى جانب مستوطنتي "زيكيم" و"كرميا".

وطال التدمير والتغيير المعالم التاريخية للقرية؛ فبينما بقي مسجدها قائماً بعد تحويله إلى مخزن، ظلت بعض المنازل القديمة ماثلة للعيان أو آيلة للانهيار، واستُبدلت بيارات البرتقال وحقول الكروم بمزارع شاسعة للقمح والأفوكادو تتبع للمستوطنين.

تشتت أهالي هربيا إبان التهجير حيث قصدوا مدناً فلسطينية عدة ودول الجوار كالأردن ومصر ولبنان، غير أن نصيب الأسد من سكانها هُجّروا إلى قطاع غزة، حيث استقروا في مخيمات اللاجئين المركزية كجباليا، والشاطئ، وخان يونس، ورفح، والمدينة.

 

ورغم مرور الزمن، ما زال مُهجرو هربيا وأبناؤهم وأحفادهم يحتفظون بمفاتيح البيوت العتيقة ووثائق الملكية الرسمية، ويروون حكايات الديار جيلًا بعد جيل، ولا سيما حكايات "بطن الغيلان" المرتبطة بالحراسة والصمود.

يؤكد أهالي هربيا، وفي مقدمتهم آل الغول ومعهم كافة اللاجئين الفلسطينيين وأحرار العالم، وعلى رأسهم قادة وشخصيات حرّة مثل الرئيس السابق غوستافو بيترو، أن كل مخططات التهجير القسري والوطن البديل ستتحطم على صخرة صمود أهل غزة ومخيماتها.

ليس هذا فحسب، بل إن حتمية التاريخ تؤكد عودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم الأصيلة، ورحيل الغزاة الطارئين، بما يضمن تجسيد الحق الفلسطيني الثابت في تقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف.

وعندها فقط سيتحول موقع فلسطين من كونها "عامل عدم استقرار" يفرضه الاحتلال، إلى مركز ثقل يضمن الاستقرار الكوني والازدهار الإقليمي الشامل.

إن ما يجري تداوله من أطروحات وتفاهمات، بدءاً من اتفاقات ومسارات شرم الشيخ وصولاً إلى المقاربات الدولية والإقليمية الراهنة، يجب أن يُقرأ بحذر شديد؛ إذ لا بد أن تشكل هذه المحطات بداية حقيقية لحل جذري ينصف القضية الفلسطينية ولا يلتف عليها.

ومن أجل إحباط محاولات إعادة إنتاج نفوذ أجنبي أو ترسيخ "شرق أوسط جديد" وفق الرؤية والمقاسات الإسرائيلية، يغدو واجباً وطنياً وتاريخياً صياغة "خطاب فلسطيني موحد" ورؤية استراتيجية واضحة وشاملة.

خطابٌ يجمع بين صلابة الصمود في الميدان ووعي الحقوق التاريخية، حيث إن صمود غزة وإقدام "غيلانها" الحارسين يجب أن يُترجما إلى حرية كاملة، وعودة موجبة، وسيادة غير منقوصة على كامل التراب الوطني.