غزة فوق "أطنان الموت".. آلاف الذخائر تحت الركام وفرق تفكيك تعمل بأيدٍ عارية

بي دي ان |

23 أغسطس 2026 الساعة 12:49ص

تعبيرية

لم يعد ركام المنازل المدمرة في غزة شاهداً على ما خلّفته الحرب فحسب؛ ففي داخله وتحت طرقات الأحياء التي يحاول السكان العودة إليها، تختبئ آلاف الذخائر التي لم تنفجر بعد، محوّلة مساحات مأهولة إلى حقول ألغام غير مرئية قد تنفجر بعد شهور أو سنوات من توقف القصف.

وبينما يحاول السكان الوصول إلى منازلهم والبحث بين الأنقاض عما تبقى من ممتلكاتهم، تخوض فرق الاستجابة المحلية مواجهة يومية مع هذه المخلفات بإمكانات شديدة المحدودية، إذ يقول مسؤولون ميدانيون إن الفنيين يضطرون إلى فحص أجسام متفجرة وتحييدها يدوياً وبأساليب بدائية، من دون خوذ أو سترات واقية، وسط قيود إسرائيلية على إدخال المعدات المتخصصة وتجهيزات السلامة اللازمة للعمل.

وبذلك، لا تنحصر مخاطر الذخائر غير المنفجرة في احتمال سقوط ضحايا جدد، بل تمتد إلى تعطيل عودة السكان ورفع الركام وإعادة الإعمار، فيما تشير تقديرات حقوقية وميدانية إلى أن تطهير قطاع غزة بالكامل من مخلفات الحرب قد يستغرق أكثر من عقد.

وأصدرت الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، في 10 أغسطس، ورقة حقائق تناولت المخاطر المتصاعدة للذخائر غير المنفجرة، بالتوازي مع تقارير دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام(UNMAS).

وبحسب البيانات الواردة في الورقة، تراكم في قطاع غزة ما بين 65 و70 مليون طن من الركام، فيما يُرصد جسم متفجر واحد تقريباً في كل 600 متر داخل المناطق المتاحة. وتتصدر محافظة خان يونس قائمة المناطق الأكثر تلوثاً، باحتوائها على نحو ألفي طن من المخلفات المتفجرة، وهي كمية تشير التقديرات إلى أن تطهيرها بالكامل قد يستغرق أكثر من 12 عاماً.

وفي السياق ذاته، وثّق تقرير للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة وجود أكثر من 20 ألف قطعة من الذخائر غير المنفجرة في القطاع، لتتحول مخلفات الحرب المنتشرة بين المنازل والركام إلى تهديد مباشر للسكان.

وحذّر محمد عماد، الناطق باسم الاستجابة السريعة في إدارة الأدلة الجنائية والاستجابة السريعة بالشرطة الفلسطينية، من حجم الخطر الذي تواجهه الفرق والسكان في الميدان، مشيراً إلى أن مخاطر هذه الأجسام تتفاقم بصورة خاصة في محافظتي شمال غزة وخان يونس، إضافة إلى الأحياء المأهولة والمناطق المحيطة بأنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة.

أجسام تشبه الألعاب وعلب الطعام

وبين الفئات الأكثر عرضة للخطر، يضع عماد الأطفال في مقدمة الضحايا المحتملين، إذ قد لا يدركون طبيعة الأجسام التي يعثرون عليها بين الركام، بينما يدفعهم الفضول أو الظروف المعيشية الصعبة إلى لمس مخلفات الحرب أو تقليبها.

ويزيد الخطر، بحسب عماد، أن بعض هذه الأجسام قد تتشابه في أحجامها وألوانها مع علب الطعام أو الألعاب، ما يجعل الطفل يتعامل معها من دون إدراك أنها قد تكون ذخيرة قابلة للانفجار، مخلفة قتلى أو إصابات بالغة وإعاقات دائمة.

وتورد ورقة "حشد"، استناداً إلى بيانات نسبتها إلى منظمة "إنقاذ الطفل"، أرقاماً تشير إلى تسجيل نحو 475 إصابة شهرياً بين الأطفال تؤدي إلى إعاقات دائمة، فضلاً عن سقوط أكثر من ألف ضحية وتزايد الإصابات بين المزارعين وجامعي الخردة والباحثين بين الأنقاض، وسط تحذيرات حقوقية من وجود أجسام ومواد مدنية مفخخة، من بينها ألعاب وعلب.

أهداف سياسية واتهامات بطمس آثار الجرائم

ولا تتوقف القضية عند الخطر المباشر الذي تمثله الذخائر غير المنفجرة، إذ تثير القيود المفروضة على دخول الخبراء والمعدات الدولية تساؤلات بشأن انعكاساتها على توثيق آثار الحرب والتحقق من طبيعة الأسلحة المستخدمة، فضلاً عن تأثيرها على عمليات إزالة الركام وإعادة الإعمار.

وفي تحليله لأبعاد القضية، يرى المحلل السياسي تيسير محيسن أن منع إسرائيل الجهات الدولية والخبراء والصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة يندرج، من وجهة نظره، ضمن سياسة ممنهجة لطمس آثار الجرائم المرتكبة.

ويقول محيسن إن القيود المفروضة على الوصول إلى القطاع تحول دون التحقق من طبيعة بعض الأسلحة المستخدمة وآثارها، مشيراً إلى مزاعم بشأن استخدام أسلحة محرمة دولياً، من بينها ما وصفه بـ"القنابل المشبعة باليورانيوم المنضب"، والتي قال إنها تسببت في "ذوبان أجساد الشهداء".

كما اتهم محيسن القوات الإسرائيلية بسرقة وإزالة ركام بنايات في خان يونس ورفح والشجاعية، مقدراً قيمة الركام بأكثر من 8 مليارات دولار، ومعتبراً أن ذلك يستهدف إزالة أدلة قد تكون ذات صلة بأي تحقيق دولي مستقبلي أمام محكمة العدل الدولية.

ويرى محيسن أيضاً أن منع دخول معدات الدفاع المدني والبلديات والأجهزة الفنية لا يمثل مجرد إجراء أمني، بل وصفه بأنه جزء من "استراتيجية عقاب جماعي" تهدف إلى جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة ودفع السكان إلى النزوح.

وأضاف: "الاحتلال يستغل ملف المتفجرات كأداة ضغط وتمدد زمني في المفاوضات لتعقيد عملية إعادة الإعمار، وفرض واقع يمنع المواطنين من استعادة حياتهم الطبيعية أو استخراج رفات شهدائهم من تحت الأنقاض".

90% من القدرات مدمرة.. والتفكيك يدوياً

وعلى الأرض، تواجه الفرق المكلفة بالتعامل مع هذه المخلفات معادلة أكثر خطورة: أعداد هائلة من البلاغات والأجسام المشبوهة في مقابل انهيار كبير في المعدات والقدرات البشرية المتخصصة.

ويقول محمد عماد إن القوات الإسرائيلية دمرت نحو 90% من المقرات والقدرات الهندسية التابعة لفرق الاستجابة، فيما تواصل الطواقم التعامل مع البلاغات بالحد الأدنى من الإمكانات المتوفرة.

وتستقبل الفرق يومياً عشرات المناشدات التي تصل عبر العمليات المركزية للشرطة من خلال الرقم المجاني المخصص، رغم عدم وجود إحصائية دقيقة، وفق عماد، لعدد البلاغات التي ترد يومياً.

وبالمقارنة مع الحروب السابقة، يقول عماد إن أعباء الفرق تضاعفت خلال الحرب الحالية بصورة غير مسبوقة، بفعل اتساع حجم الدمار واستخدام أنواع متطورة وكميات كثيفة من القنابل، بالتزامن مع افتقار الفرق إلى متطلبات أساسية للعمل، وصولاً إلى المركبات المخصصة لنقل أفرادها.

وقال: "سلطات الاحتلال تمنع إدخال المعدات الخاصة بعمليات إزالة وتفكيك المخلفات غير المنفجرة منذ فرض الحصار على القطاع عام 2006".

وبحسب عماد، أجبر غياب المعدات المتخصصة المهندسين والفنيين على فحص الأجسام المتفجرة وتحييدها يدوياً وبأساليب ارتجاليةلتعويض غياب التقنيات الحديثة، بينما يعملون في الميدان من دون أبسط وسائل الحماية الشخصية، بما فيها السترات الواقية والخوذ.

17 فنياً من أصل 65

وإلى جانب خسارة المعدات، دفعت فرق الاستجابة ثمناً بشرياً ثقيلاً.

فمن أصل 65 كادراً، يقول عماد إن 17 فنياً متخصصاً استشهدوا، ما أفقد الفرق جزءاً كبيراً من خبراتها البشرية في وقت تتزايد فيه الحاجة إليها.

وأدت خسارة هؤلاء الفنيين، بالتزامن مع تدمير الإمكانات الفنية والاعتماد على العمل اليدوي البطيء، إلى إطالة الوقت اللازم لمعالجة كل بلاغ وتراكم المهام المعلقة، وصولاً إلى ما وصفه عماد بحالة من "الشلل شبه الكامل"في سرعة الاستجابة.

وقال: "خطر هذه المخلفات يعرقل جهود إعادة الإعمار ويمنع الأهالي من العودة الآمنة لمنازلهم".

وفي السياق ذاته، تشير ورقة "حشد" إلى أن عمليات التطهير الكامل لقطاع غزة قد تتطلب نحو 10 إلى 12 عاماً في أفضل التقديرات، فيما تحتاج إلى تمويل عاجل لا يقل عن 541 مليون دولار.

وتعتبر الورقة أن تطهير المناطق من الذخائر والمخلفات المتفجرة شرط أساسي يجب أن يسبق ضخ أموال إعادة الإعمار أو عمليات رفع الركام، ليس فقط لتجنب الانفجارات، وإنما أيضاً للحد من مخاطر التلوث الكيميائي للتربة والمياه الجوفية.

"نذهب وحدنا".. فرق تعمل بلا مرافقة ميدانية

ولا يقتصر النقص، بحسب عماد، على المعدات والكوادر، إذ يقول إن فرق الاستجابة السريعة تتوجه إلى مواقع البلاغات من دون مرافقة ميدانية من طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ونفى وجود أي حضور أو مرافقة ميدانية للصليب الأحمر أثناء توجه الفرق لتحييد الأجسام المشبوهة عقب ورود البلاغات.

وقال: "فريق الاستجابة السريعة يتواجد بمفرده تماماً في الميدان لتنفيذ المهام مخاطراً بحياته".

وأوضح عماد أن دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر يقتصر في هذا الجانب على تقديم بعض أشكال الدعم المحدود والمتاح في الوقت الحالي، مشيراً إلى أنها الجهة الوحيدة التي تتعامل معهم حالياً، وأن مستوى الدعم المقدم يرتبط بما يتاح لها وما تسمح السلطات الإسرائيلية بإدخاله.

أما دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS)، فقال عماد إنها لا تتعاون في الوقت الحالي مع الفرق الميدانية المحلية، مرجعاً ذلك إلى القيود التي تفرضها إسرائيل.

وجدد التأكيد على أن السلطات الإسرائيلية تستمر في حظر إدخال المعدات الفنية المتخصصة اللازمة للتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، تحت مبررات تتعلق بإمكانية "الاستخدام المزدوج".

مسؤولية قانونية وانتقادات للدور الدولي

وعلى المستوى القانوني، انتقد محيسن ما وصفه بـ"الفشل الذريع" للمؤسسات الدولية والأمم المتحدة في إجبار إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي الإنساني.

وقال إن إسرائيل تتحمل، بحسب تقييمه، المسؤولية القانونية عن مخلفات الحرب وفقاً للبروتوكول الخامس لاتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980، داعياً إلى إلزامها بتقديم الخرائط والإحداثيات الدقيقة لمواقع انتشار القنابل والذخائر غير المنفجرة، وتسهيل دخول الفرق المتخصصة والمعدات اللازمة للتعامل معها.

كما جدد محيسن الدعوة إلى إطلاق برامج توعية واسعة للسكان وفتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات المرتبطة بالحرب.

وفي ظل استمرار الخطر، وجّه عماد تحذيراً إلى المواطنين والنازحين، ولا سيما الموجودين بالقرب من "الخط الأصفر"، من الاقتراب من مخلفات الحرب والأجسام المشبوهة أو محاولة لمسها والعبث بها، داعياً إلى الابتعاد عنها فوراً والإبلاغ عنها للجهات المختصة حتى تتمكن الفرق من تحييدها بأمان.

لكن الخطر لا ينتهي عند حدود البلاغات اليومية. فبينما تشير التقديرات إلى أن تطهير غزة من مخلفات الحرب قد يستغرق أكثر من عقد، تبقى آلاف الذخائر كامنة تحت ركام المناطق التي يحاول السكان العودة إليها، في حين يواجهها عدد متناقص من الفنيين، بإمكانات محدودة ومن دون أبسط وسائل الحماية.

وهكذا، حتى حين يصمت القصف، تبقى تحت ركام غزة قنابل لم تنتهِ مهمتها بعد؛ تنتظر بين المنازل والطرقات، فيما يحاول السكان العودة إلى حياة قد يكون الوصول إليها نفسه محفوفاً بالموت.