في حضرة الغياب والخذلان: هل تبقى على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟

بي دي ان |

12 أغسطس 2026 الساعة 08:01م

المشرف العام
يستيقظ الناس كل صباح يبحثون عن مخارج لضيقهم، أو يقتنصون فرصة حميدة ليصنعوا منها طوق نجاة ولو ليوم واحد؛ بل وربما لبضع ساعات قليلة، تسترخي خلالها صدورهم المنهكة وعقولهم المتعبة، حيث العقل كحبة قمح تحت الرحى. فتأتي على سبيل المثال ذكرى ميلاد الشهيد القائد ياسر عرفات، فتجد الناس يعودون للخلف ولذاكرتهم المصانة إلى حد ما، يستذكرون زمن مجد مضى، وفترة لا بأس بها (قياساً للواقع المُعاش)، وكأن في استحضار الذكرى استجداءً للعودة مرة أخرى.

وقد يحدث ذلك أيضاً في ذكرى وفاة شاعر وكاتب كبير مزج بين الأدب والسياسة، كتب في الحب وفلسطين والمقاومة والبندقية، وخط بنبضه وفكره وثيقة الاستقلال، وسُمّي بشاعر فلسطين وشاعر المقاومة؛ فكان أديباً وطنياً بامتياز، كما هو حال الشاعر الكبير محمود درويش الذي صادف التاسع من أغسطس ذكرى وفاته. تعود ذاكرة الناس لزمن كانوا يموتون فيه موتة واحدة ولا ندرة في الأكفان، زمن لم تهجرنا فيه الكرامة بعد، رغم أن شمس غروب ذاك اليوم كانت تلملم بعض الحاجيات بصمت؛ فتناولت حينها ثوب العروس المعلق في خزانتها استعداداً لفرح قريب قادم في حال لم يتم اقتحام المدينة من قبل جيش الاحتلال، وجمعت المشط الأزرق وملابس الأطفال والأغطية وفساتين النساء، لسر لم ندركه حينها، واختلست زينة المكان الذي كان معداً خصيصاً للدبكة وأغاني (الميجانا).

نشتاق لوقت لم نكن فيه غرباء عن أوطاننا، وقبل أن نشعر أننا دخلاء، هكذا يقولون لنا. أم ماذا سنفعل أيها الدرويش؟ أنهجر الأرض التي نحب ونهوى كما كنت ستفعل حين قلت: "أنا أهجر الأرض التي لا ترحب بي وإن كلفني الأمر أن أعيش بلا أرض"؟! 

نشتاق للدرويش حين كانت البيوت تعرف أهلها وجيرانها، وتشهد على الخبز المقسوم بين أحبّتها، حين كانت النجوم تزور البيوت وتداعب الأطفال في فراشهم، وتلقي على المحبين السلام، لتعود تحرس الأرض في السماء. نعم أيها الدرويش، نشتاق إليك كما نشتاق لخبز أمنا وقهوة أمنا، نشتاق للرياح التي لا تعنف صدورنا ولا تنزع منا الأمنيات بعد كل هزيمة. 

نعم أشتاق لصباحات ذلك الزمن، كما أشتاق لليل طويل يطوي صفحاته القاتمة، لتصحو مدينتي أخيراً على فجر يذهب فيه الفلّاح إلى أرضه في ترمسعيا والخليل، وقرية المغير ودير جرير والتل، ويذهب الطلاب إلى مدارسهم بلا حواجز، وأن أستيقظ يوماً لأرى الخط الأصفر والأحمر والبرتقالي إلى زوال. 

تماماً كما أشتاق لرائحة البرتقال في غزة ويافا، والمسجد العمري بعد الطوفان. لو أنك بيننا الآن لقلت لك إنني مثلك "وأن الجميع قد خذلني"، وأنني أكاد لا أشبهك حين قلت "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"؛ فهل تبقى في زمن الخذلان وانعدام الحياة، ما يستحق الحياة؟!

لو أنك معنا الآن لتكون شاهداً على خوفنا وضعفنا وهزائمنا الممتدة من النصر الأول حتى الانتصار العظيم "يوم العبور"، وشاهداً على خيبتنا وخيمتنا ونكبتنا، ولدعوتك لزيارة استثنائية لأوجاعنا ومقابرنا الجماعية، لقهر الرجال، وجماجم الأطفال، ولتكن إماماً لصلاة جنازة لعائلة لم يتبق منها أحد يقيم عليهم الصلاة. 

أيها الدرويش تعال وغنِّ لنا، وإن شئت ارفع الأذان وأقم الصلاة… وأعلن النهايات. فلو أننا نسافر عبر الزمن إلى زمن لا يوجد فيه هذا الزمن!

أيها الدرويش وإن شئت تعال وكن معنا الآن، غنِّ لنا لنحيا من جديد، حين يرفضنا الموت وتتقاذفنا الحياة فنبقى في المنتصف المميت، واكتب لنا مرة أخرى عن الحب وفلسطين والبندقية، اكتب لنا لننسى ما نحن عليه، ونعود لسيرتنا الأولى بصمت، ودون أن يرانا أباطرة الظلام في هذا الزمان.