حين تتحول الحرب إلى معركة داخلية.. الانتحار يطارد الجيش الإسرائيلي
بي دي ان |
12 أغسطس 2026 الساعة
09:53ص
الكاتب
لم تعد آثار الحرب تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، أو بحجم الدمار الذي خلّفته القنابل والصواريخ. فهناك حرب أخرى تجري داخل عقول الجنود ونفوسهم، وقد بدأت أرقام الانتحار في الجيش الإسرائيلي تكشف جانبًا من هذه المعركة الصامتة.
وبحسب الأرقام المتداولة وما أوردته صحيفة «هآرتس»، سُجلت 7 حالات انتحار بين الجنود منذ السابع من أكتوبر وحتى نهاية عام 2023، ثم 21 حالة خلال عام 2024، و22 خلال عام 2025، فيما سُجلت 18 حالة بين الجنود والمجندات منذ بداية عام 2026.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل جرس إنذار يستحق التوقف أمامه. فهي تأتي بعد سنوات من حرب طويلة، عاش خلالها الجنود الإسرائيليون القتال ومشاهدة الموت، وتعرضوا لضغوط نفسية متراكمة.
لكن السؤال الأكثر قسوة يبقى: ماذا يحدث داخل الإنسان عندما يرى نتائج الحرب التي شارك فيها؟
ماذا يحدث داخل عقل طيار أطلق صاروخًا على منزل، ثم علم أن عائلة كاملة تحولت إلى جماجم وعظام وأجساد تحت الركام؟
هل تنتهي المهمة بانتهاء الطلعة الجوية؟
أم يبقى ذلك المنزل حاضرًا في الذاكرة، ويعود المشهد في الليل، ويتحول إلى سؤال لا يملك صاحبه إجابة عنه؟
وماذا عن جندي يقف في موقع قنص، فيرى طفلًا في عمر الورد، ثم تنتهي اللحظة برصاصة؟
قد تنتهي اللحظة في ثوانٍ، لكن هل تنتهي صورتها من الذاكرة؟
هل تفارقه ابتسامة الطفل؟ أم تتحول تلك الابتسامة مع مرور الأيام إلى كابوس يضج به مضجعه؟
هذه الأسئلة لا تعني أن كل حالة انتحار سببها المباشر الحرب أو فعل عسكري محدد؛ فالانتحار ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية وشخصية وأسرية واجتماعية. لكن الحرب الطويلة، ومشاهد الموت والدمار، والتعرض المتكرر للعنف، يمكن أن تترك آثارًا نفسية عميقة لدى بعض المشاركين فيها.
وهنا تظهر بشاعة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في وجه آخر.
ففي غزة لم تكن الحرب مجرد أهداف على خرائط، بل كانت هناك بيوت تسكنها عائلات، وأطفال ينتظرون صباحًا جديدًا، ونساء وشيوخ وشباب، وحياة كاملة يمكن أن تتحول خلال لحظة إلى ركام.
وقد يخرج الجندي من الميدان بجسده، بينما يبقى الميدان داخله.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته الجرح الأخلاقي؛ حين يجد الإنسان نفسه عاجزًا عن التوفيق بين ما فعله أو شاهده، وبين ما يعرفه في داخله عن معنى الحياة والإنسان والطفولة.
إن الجسد قد يشفى من جرح الرصاصة، لكن جرح الذاكرة قد يحتاج سنوات طويلة من التعافي.
ولهذا فإن حالات الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي تستحق دراسة جادة، ليس من باب الشماتة بالموت؛ فالانتحار مأساة إنسانية أينما حدث، وإنما من باب فهم الثمن النفسي الذي يمكن أن تتركه الحروب على من يشاركون فيها.
لكن السؤال الأوسع يبقى: هل تتوقف مأساة الحرب، ويُمنح الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني فرصة للعيش بسلام، أم تستمر الأطماع السياسية وحسابات الانتخابات في دفع الجميع نحو مزيد من الدم؟
فحين تصبح حياة البشر ورقة في الحسابات السياسية، تصبح الشعوب هي الخاسر الأكبر.
وربما تحمل بعض هذه الحالات قصة مأساوية لحرب لم تنتهِ بالنسبة إلى أصحابها بخروجهم من الميدان.
قد يعود الطيار إلى قاعدته، ينزع خوذته، ويغادر الطائرة، لكن ماذا لو بقي المنزل الذي قصفه حاضرًا في ذاكرته؟
وقد يعود الجندي إلى أسرته، يخلع زيه العسكري، ويحاول أن يعيش حياته الطبيعية، لكن ماذا لو بقي وجه الطفل الذي رآه أو أطلق النار عليه يطارده في أحلامه؟
هنا تبدأ الحرب الأخرى؛ حرب لا تُسمع فيها أصوات الطائرات، ولا تُرى فيها الصواريخ، وإنما تضج داخل الإنسان نفسه.
وفي غزة، تحولت بيوت إلى ركام، وعائلات إلى أسماء في قوائم الضحايا، وأطفال إلى صور وذكريات لا تغيب عن أهلهم. وربما تكشف بعض قصص الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي أن الركام لا يبقى دائمًا فوق الأرض؛ أحيانًا ينتقل إلى داخل الإنسان.
ومع حالة الضجيج والفوضى التي تصنعها الأحزاب والسياسيون، سواء على الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني، يبقى المواطن العادي هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
فالشعوب لا تصنع دائمًا قرارات الحرب، والمدنيون لا يملكون الطائرات ولا الصواريخ ولا غرف العمليات السياسية، ومع ذلك يدفعون الثمن الأكبر.
وهذه ليست قاعدة فلسطينية أو إسرائيلية فقط، بل حقيقة عرفها التاريخ في كل الحروب: السياسيون يتفاوضون، والقادة يقررون، أما الشعوب والمدنيون فيدفعون الثمن.
وفي النهاية، فإن الحرب لا تترك قتلى تحت الأنقاض فقط، بل قد تترك أحياءً يحملون أنقاضها في ذاكرتهم.
فالحرب قد تنتهي في الميدان، لكن الميدان لا يخرج دائمًا من ذاكرة الإنسان.
بي دي ان |
12 أغسطس 2026 الساعة 09:53ص
وبحسب الأرقام المتداولة وما أوردته صحيفة «هآرتس»، سُجلت 7 حالات انتحار بين الجنود منذ السابع من أكتوبر وحتى نهاية عام 2023، ثم 21 حالة خلال عام 2024، و22 خلال عام 2025، فيما سُجلت 18 حالة بين الجنود والمجندات منذ بداية عام 2026.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل جرس إنذار يستحق التوقف أمامه. فهي تأتي بعد سنوات من حرب طويلة، عاش خلالها الجنود الإسرائيليون القتال ومشاهدة الموت، وتعرضوا لضغوط نفسية متراكمة.
لكن السؤال الأكثر قسوة يبقى: ماذا يحدث داخل الإنسان عندما يرى نتائج الحرب التي شارك فيها؟
ماذا يحدث داخل عقل طيار أطلق صاروخًا على منزل، ثم علم أن عائلة كاملة تحولت إلى جماجم وعظام وأجساد تحت الركام؟
هل تنتهي المهمة بانتهاء الطلعة الجوية؟
أم يبقى ذلك المنزل حاضرًا في الذاكرة، ويعود المشهد في الليل، ويتحول إلى سؤال لا يملك صاحبه إجابة عنه؟
وماذا عن جندي يقف في موقع قنص، فيرى طفلًا في عمر الورد، ثم تنتهي اللحظة برصاصة؟
قد تنتهي اللحظة في ثوانٍ، لكن هل تنتهي صورتها من الذاكرة؟
هل تفارقه ابتسامة الطفل؟ أم تتحول تلك الابتسامة مع مرور الأيام إلى كابوس يضج به مضجعه؟
هذه الأسئلة لا تعني أن كل حالة انتحار سببها المباشر الحرب أو فعل عسكري محدد؛ فالانتحار ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية وشخصية وأسرية واجتماعية. لكن الحرب الطويلة، ومشاهد الموت والدمار، والتعرض المتكرر للعنف، يمكن أن تترك آثارًا نفسية عميقة لدى بعض المشاركين فيها.
وهنا تظهر بشاعة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في وجه آخر.
ففي غزة لم تكن الحرب مجرد أهداف على خرائط، بل كانت هناك بيوت تسكنها عائلات، وأطفال ينتظرون صباحًا جديدًا، ونساء وشيوخ وشباب، وحياة كاملة يمكن أن تتحول خلال لحظة إلى ركام.
وقد يخرج الجندي من الميدان بجسده، بينما يبقى الميدان داخله.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته الجرح الأخلاقي؛ حين يجد الإنسان نفسه عاجزًا عن التوفيق بين ما فعله أو شاهده، وبين ما يعرفه في داخله عن معنى الحياة والإنسان والطفولة.
إن الجسد قد يشفى من جرح الرصاصة، لكن جرح الذاكرة قد يحتاج سنوات طويلة من التعافي.
ولهذا فإن حالات الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي تستحق دراسة جادة، ليس من باب الشماتة بالموت؛ فالانتحار مأساة إنسانية أينما حدث، وإنما من باب فهم الثمن النفسي الذي يمكن أن تتركه الحروب على من يشاركون فيها.
لكن السؤال الأوسع يبقى: هل تتوقف مأساة الحرب، ويُمنح الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني فرصة للعيش بسلام، أم تستمر الأطماع السياسية وحسابات الانتخابات في دفع الجميع نحو مزيد من الدم؟
فحين تصبح حياة البشر ورقة في الحسابات السياسية، تصبح الشعوب هي الخاسر الأكبر.
وربما تحمل بعض هذه الحالات قصة مأساوية لحرب لم تنتهِ بالنسبة إلى أصحابها بخروجهم من الميدان.
قد يعود الطيار إلى قاعدته، ينزع خوذته، ويغادر الطائرة، لكن ماذا لو بقي المنزل الذي قصفه حاضرًا في ذاكرته؟
وقد يعود الجندي إلى أسرته، يخلع زيه العسكري، ويحاول أن يعيش حياته الطبيعية، لكن ماذا لو بقي وجه الطفل الذي رآه أو أطلق النار عليه يطارده في أحلامه؟
هنا تبدأ الحرب الأخرى؛ حرب لا تُسمع فيها أصوات الطائرات، ولا تُرى فيها الصواريخ، وإنما تضج داخل الإنسان نفسه.
وفي غزة، تحولت بيوت إلى ركام، وعائلات إلى أسماء في قوائم الضحايا، وأطفال إلى صور وذكريات لا تغيب عن أهلهم. وربما تكشف بعض قصص الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي أن الركام لا يبقى دائمًا فوق الأرض؛ أحيانًا ينتقل إلى داخل الإنسان.
ومع حالة الضجيج والفوضى التي تصنعها الأحزاب والسياسيون، سواء على الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني، يبقى المواطن العادي هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
فالشعوب لا تصنع دائمًا قرارات الحرب، والمدنيون لا يملكون الطائرات ولا الصواريخ ولا غرف العمليات السياسية، ومع ذلك يدفعون الثمن الأكبر.
وهذه ليست قاعدة فلسطينية أو إسرائيلية فقط، بل حقيقة عرفها التاريخ في كل الحروب: السياسيون يتفاوضون، والقادة يقررون، أما الشعوب والمدنيون فيدفعون الثمن.
وفي النهاية، فإن الحرب لا تترك قتلى تحت الأنقاض فقط، بل قد تترك أحياءً يحملون أنقاضها في ذاكرتهم.
فالحرب قد تنتهي في الميدان، لكن الميدان لا يخرج دائمًا من ذاكرة الإنسان.