سجنٌ مُعلَّق تحيطه التماسيح بن غفير وسياسة التوحّش في التعامل مع قضية الأسرى
بي دي ان |
09 أغسطس 2026 الساعة
10:16ص
الكاتب
في لحظةٍ تنكشف فيها الأقنعة، لا تعود السياسة لغة مصالح ولا توازنات، بل تتحول إلى مرآةٍ تعكس جوهر السلطة الحقيقي. وحين يخرج وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ليتحدث عن جناحٍ خاص للأسرى تحيطه قناة مائية تضم تماسيح، مؤكدًا تمسكه بالفكرة رغم تجميدها قضائيًا، فإن الأمر يتجاوز حدود التصريح الاستفزازي إلى التعبير عن عقليةٍ سياسية ترى في القسوة وسيلةً للحكم وفي التخويف أداةً للسيطرة.
هذا الخطاب لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع من التحريض ونزع الإنسانية عن الفلسطيني، وبخاصة الأسير الفلسطيني، الذي لم يعد في خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف إنسانًا يتمتع بحقوق يكفلها القانون، بل هدفًا دائمًا لسياسات الردع والعقاب والإذلال.
لغة "السجن المعلّق" ليست مجرد توصيف هندسي، بل استعارة عن حالة التعليق بين الحياة والموت، وبين القانون واللا قانون. أما "التمساح" فليس تفصيلًا عابرًا، بل رمزٌ لفلسفة تقوم على استعراض القوة عبر بث الخوف، وكأن العدالة لم تعد كافية، وكأن الرعب بات جزءًا من منظومة الحكم.
حين تُستحضر الحيوانات المفترسة في خطاب رسمي، فإن الرسالة تتجاوز الأسرى أنفسهم لتطال المجتمع بأكمله. إنها محاولة لترسيخ صورة القوة المطلقة، وإيصال رسالة مفادها أن الردع لا حدود له. غير أن التاريخ يُثبت أن القوة التي تحتاج إلى هذا القدر من الاستعراض إنما تكشف، في جوهرها، عن خوفٍ من الإرادة التي تعجز عن كسرها.
الأخطر أن مثل هذه التصريحات تمر غالبًا وسط ردود فعل دولية خجولة، وكأن الأسير الفلسطيني خارج دائرة الاهتمام الإنساني. وهنا لا تكمن المشكلة في التصريح وحده، بل في اعتياد العالم على سماع مثل هذا الخطاب دون موقفٍ حازم يردع أصحابه أو يضع حدًا لانحداره الأخلاقي.
عربيًا، تظل قضية الأسرى إحدى القضايا المركزية في الوجدان الفلسطيني، لكن استمرار الصمت أو الاكتفاء ببيانات موسمية يترك المجال مفتوحًا أمام مزيد من التطرف. فحين يغيب الضغط السياسي والحقوقي الحقيقي، تتحول الأفكار المتطرفة إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
إن تصريح بن غفير لا يفضح شخصًا متطرفًا فحسب، بل يكشف أزمةً أعمق تتعلق بتحول القسوة إلى خطاب سياسي مشروع. ومع ذلك، يبقى الأسير الفلسطيني شاهدًا على فشل هذه السياسات في تحقيق غايتها. فالإرادة التي صمدت خلف القضبان لعقود، لا تهزمها التماسيح ولا التهديدات الرمزية، بل تزداد حضورًا كلما ازداد خطاب الكراهية انكشافًا.
وسيأتي يومٌ لا يُسأل فيه الأسرى عمّا صبروا، بل يُسأل فيه العالم عمّا صمت، ويُسأل التاريخ: من كان الإنسان، ومن كان التمساح؟
بي دي ان |
09 أغسطس 2026 الساعة 10:16ص
هذا الخطاب لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع من التحريض ونزع الإنسانية عن الفلسطيني، وبخاصة الأسير الفلسطيني، الذي لم يعد في خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف إنسانًا يتمتع بحقوق يكفلها القانون، بل هدفًا دائمًا لسياسات الردع والعقاب والإذلال.
لغة "السجن المعلّق" ليست مجرد توصيف هندسي، بل استعارة عن حالة التعليق بين الحياة والموت، وبين القانون واللا قانون. أما "التمساح" فليس تفصيلًا عابرًا، بل رمزٌ لفلسفة تقوم على استعراض القوة عبر بث الخوف، وكأن العدالة لم تعد كافية، وكأن الرعب بات جزءًا من منظومة الحكم.
حين تُستحضر الحيوانات المفترسة في خطاب رسمي، فإن الرسالة تتجاوز الأسرى أنفسهم لتطال المجتمع بأكمله. إنها محاولة لترسيخ صورة القوة المطلقة، وإيصال رسالة مفادها أن الردع لا حدود له. غير أن التاريخ يُثبت أن القوة التي تحتاج إلى هذا القدر من الاستعراض إنما تكشف، في جوهرها، عن خوفٍ من الإرادة التي تعجز عن كسرها.
الأخطر أن مثل هذه التصريحات تمر غالبًا وسط ردود فعل دولية خجولة، وكأن الأسير الفلسطيني خارج دائرة الاهتمام الإنساني. وهنا لا تكمن المشكلة في التصريح وحده، بل في اعتياد العالم على سماع مثل هذا الخطاب دون موقفٍ حازم يردع أصحابه أو يضع حدًا لانحداره الأخلاقي.
عربيًا، تظل قضية الأسرى إحدى القضايا المركزية في الوجدان الفلسطيني، لكن استمرار الصمت أو الاكتفاء ببيانات موسمية يترك المجال مفتوحًا أمام مزيد من التطرف. فحين يغيب الضغط السياسي والحقوقي الحقيقي، تتحول الأفكار المتطرفة إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
إن تصريح بن غفير لا يفضح شخصًا متطرفًا فحسب، بل يكشف أزمةً أعمق تتعلق بتحول القسوة إلى خطاب سياسي مشروع. ومع ذلك، يبقى الأسير الفلسطيني شاهدًا على فشل هذه السياسات في تحقيق غايتها. فالإرادة التي صمدت خلف القضبان لعقود، لا تهزمها التماسيح ولا التهديدات الرمزية، بل تزداد حضورًا كلما ازداد خطاب الكراهية انكشافًا.
وسيأتي يومٌ لا يُسأل فيه الأسرى عمّا صبروا، بل يُسأل فيه العالم عمّا صمت، ويُسأل التاريخ: من كان الإنسان، ومن كان التمساح؟