هل تبقّى لنا من الحلم شيء؟ نعيش على أمل مستقبلٍ لم يأتِ بعد

بي دي ان |

08 أغسطس 2026 الساعة 06:09م

الكاتب
«ما دام فينا نفسٌ يتردد، فالأمل باقٍ، والحلم لا يموت، وإن تأخر موعده.»
ربما تبدو هذه الجملة بسيطة، لكنها في زمنٍ كثرت فيه الخيبات، أصبحت موقفًا في مواجهة اليأس. فحين يسألنا أحد: هل تبقّى لنا من الحلم شيء؟ فإن الإجابة لا ينبغي أن تكون مجرد مواساة، بل إيمانًا بأن الإنسان الذي يفقد حلمه يفقد جزءًا من قدرته على الحياة.
 
الحلم ليس ترفًا، وليس هروبًا من الواقع. الحلم هو ما يجعل الإنسان قادرًا على مقاومة الواقع حين يصبح أقسى من الاحتمال. والشعوب التي تفقد أحلامها تصبح أسيرة للحظة، أما الشعوب التي تحمي أحلامها، فهي التي تستطيع أن تصنع مستقبلها مهما طال الطريق.
 
وفي فلسطين، كان الحلم دائمًا أكبر من مجرد أمنية. كان وطنًا وحرية وكرامة وعدالة، وكان طفلًا يريد أن يكبر دون خوف، وأمًا تريد أن تطمئن على أبنائها، وشابًا يريد أن يبني مستقبله في وطنه بدل أن يبحث عن وطن آخر.
لكن ثمة خطرًا آخر لا يقل قسوة عن الحروب والأزمات؛ إنه حانوتي الأحلام.
 
ذلك الذي لا ينتظر موت الحلم، بل يدفنه وهو حي. يضع فوقه التراب قبل أن يأخذ فرصته في الحياة، ثم يكتب على قبره شهادة وفاة لا يملك صاحب الحلم حق الاعتراض عليها.
والحانوتي لا يقتل الأحلام وحده؛ هناك من يساعده، ومن يفتح له الطريق، ومن يصفق حين ينتهي الدفن. والأسوأ أن بعضهم لا يكتفي بدفن الأحلام، بل يقيم لها مقابر الدكتاتورية التي تُدفن فيها الأحلام وهي حيّة، ثم يرقص فوق قبورها، وكأن دفن أحلام الناس انتصار، وكأن إطفاء صوتهم بطولة.
 
لكن الأحلام لا تموت بسهولة.
قد تُدفن، نعم، وقد يوضع فوقها كثير من التراب، لكنها تستطيع أن تعود من تحت الأرض مثل بذرة تعرف طريقها إلى الضوء. ولذلك فإن معركة الإنسان الحقيقية ليست فقط أن يحلم، بل أن يحمي حلمه من أولئك الذين يريدون تحويل المستقبل إلى مقبرة كبيرة للأمنيات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يعتاد الخيبة، وأن يصبح اليأس جزءًا من ثقافته، وأن يتوقف عن السؤال: ماذا نريد لغدنا؟
 
وهنا تبدأ مسؤولية النخب السياسية والثقافية والإعلامية. فدورها ليس أن تبيع الناس الأوهام، ولا أن تدفن أحلامهم باسم الواقعية، بل أن تفتح أمامهم طريقًا ممكنًا نحو المستقبل.
نحن بحاجة إلى حلم فلسطيني جديد؛ حلم لا تحكمه الفصائلية، ولا تصادره الحسابات الشخصية، ولا يُختزل في الشعارات. حلم يكون فيه الوطن أكبر من التنظيم، والإنسان أهم من السلطة، والمستقبل أهم من صراعات الماضي.
نريد أن نرى طفلًا يذهب إلى مدرسته دون خوف، وشابًا يجد فرصة للحياة، وامرأة تنام مطمئنة على أبنائها، ومواطنًا يشعر أن القانون يحميه، وأن صوته له قيمة، وأن وطنه ليس ملكًا لأحد.
 
فالمستقبل لا يأتي وحده. إنه يحتاج إلى إرادة، وإلى وعي، وإلى مؤسسات، وإلى قيادة تؤمن بأن الشعوب ليست جمهورًا للتصفيق، وإنما شريكًا في صناعة القرار.
وكما قال أبو القاسم الشابي:
«إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياةَ
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرُ»
قد يتأخر الفجر، وقد يطول الطريق، وقد يزدحم الواقع بالخيبات، لكن علينا ألا نسمح لأحد بأن يقنعنا بأن الحلم جريمة، أو أن الأمل سذاجة، أو أن المستقبل حكر على من يملك السلطة.
 
فما دام فينا نفسٌ يتردد، فالأمل باقٍ، والحلم لا يموت، وإن تأخر موعده.
وربما تكون رسالتنا اليوم أبسط وأعمق من كل الشعارات:
لا تدعوا حانوتي الأحلام يدفن أحلامكم وهي حيّة.
فقد يأتي يومٌ ينهض فيه الحلم من قبره، ويقف أمام الذين دفنوه، لا لينتقم منهم، بل ليقول لهم:
كان يمكنكم أن تكونوا جزءًا من المستقبل، لكنكم اخترتم أن ترقصوا فوق مقابر الأحلام.