من الحليف الاستراتيجي إلى "دولة عادية": تحولات الخطاب الأمريكي تجاه إسرائيل
بي دي ان |
07 أغسطس 2026 الساعة
07:25م
الكاتب
نائب الرئيس الأمريكي:
إسرائيل خسرت معركة الرأي العام في الولايات المتحدة بعيداً عن دقة هذا التصريح أو السياق الذي ورد فيه، فإن أهم ما يكشفه هو التحول المتدرج الذي بدأ يطرأ على الخطاب السياسي والشعبي داخل الولايات المتحدة تجاه "إسرائيل"، فالمسألة لم تعد تقتصر على خلافات تكتيكية حول إدارة الحرب أو حدود استخدام القوة، بل باتت تمتد إلى إعادة تعريف طبيعة العلاقة نفسها.
فعلى مدى عقود، كانت إسرائيل تُعامل في واشنطن بوصفها حالة استثنائية، تحظى بدعم سياسي وعسكري ودبلوماسي يكاد يكون غير مشروط، بينما كان أي نقد لسلوك حكوماتها يُواجه غالباً باتهامات معاداة السامية.
أما اليوم، فإن مجرد الدعوة إلى التعامل معها كأي دولة أخرى، تُبنى العلاقة معها على أساس المصالح المشتركة والاختلافات الطبيعية بين الحلفاء، أصبح يمثل تحولاً لافتاً في طبيعة النقاش الأمريكي.
وتتزامن هذه التحولات البسيطة مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يُتوقع أن تتصدر المباحثات ملفات عدة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، وتوسيع اتفاقيات أبراهام، ولا سيما إمكانية تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية، إضافة إلى مستقبل الضفة الغربية، بما في ذلك مساعي الحكومة الإسرائيلية لشرعنة المستوطنات وفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء منها، وبالذات المنطقة المصنفة "ج".
غير أن نتنياهو يصل إلى واشنطن في ظل تراجع في مكانته السياسية داخلياً وخارجياً، وفي وقت يدرك فيه بعض الساسة أن استمرار الحرب وتوسيع الاستيطان باتا يحمّلان الولايات المتحدة كلفة سياسية متزايدة، الأمر الذي يجعل نتائج الزيارة مرتبطة بمدى قدرة كل طرف على فرض أولوياته، أكثر من كونها لقاءً بين حليفين متطابقين في الرؤية.
وعموما هذا لا يعني أن الولايات المتحدة بصدد التخلي عن إسرائيل أو فك تحالفها معها؛ فهذا التحالف راسخ وله جذور استراتيجية وسياسية وعسكرية عميقة يصعب تصور انتهائه في المستقبل المنظور، لكن ما يبدو أنه يتغير هو حدود الدعم غير المشروط، خاصة بعد حرب غزة وما خلفته من دمار إنساني واسع، وما صاحبها من تراجع غير مسبوق في صورة إسرائيل داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي والغربي، ولا سيما بين الشباب والجامعات والإعلام المستقل.
لقد كشفت الحرب أن القوة العسكرية قد تحقق تفوقاً ميدانياً، لكنها قد تتحول إلى هزيمة سياسية وأخلاقية عندما تفقد الدولة تعاطف الرأي العام العالمي، فالصورة التي انتقلت إلى ملايين البشر عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي لم تعد تخضع للرواية الرسمية وحدها، بل أصبحت الوقائع الإنسانية نفسها لاعباً رئيسياً في تشكيل المواقف، ولذلك فإن الحديث عن خسارة "إسرائيل" لمعركة الرأي العام ليس مجرد توصيف إعلامي، بل اعتراف بأن قوة الحق لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
ومن اللافت أيضاً أن الاتهام الجاهز بمعاداة السامية لم يعد ينجح بالفاعلية نفسها التي كان يحققها في الماضي، فعدد متزايد من السياسيين والأكاديميين والإعلاميين الغربيين باتوا يميزون بين معاداة اليهود كجماعة دينية أو عرقية، وهي جريمة مرفوضة، وبين انتقاد سياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلية، وهو حق سياسي مشروع تكفله حرية التعبير، وهذا التمييز يمثل تحولاً مهماً في طبيعة النقاش العام داخل الغرب.
إن القضية الفلسطينية لم تنتصر بعد سياسياً، ولا تزال موازين القوى تميل بقوة لصالح "إسرائيل"، لكن ما يحدث في الرأي العام الغربي يؤكد أن الرواية الفلسطينية استطاعت، رغم كل محاولات التعتيم، أن تجد طريقها إلى ضمير قطاعات واسعة من الشعوب،وإذا استمرت هذه التحولات، فقد يكون تأثيرها في المستقبل أكبر بكثير من تأثيرها الحالي، لأن السياسات في الأنظمة الغربية لا تستطيع تجاهل اتجاهات الرأي العام إلى الأبد.
ويبقى الدرس الأهم أن الشرعية لا تُبنى بالقوة وحدها، وأن الدول، مهما امتلكت من نفوذ عسكري وسياسي، لا تستطيع أن تربح إلى الأبد إذا خسرت معركة الأخلاق والعدالة في نظر الشعوب، فالتاريخ يثبت أن الرأي العام قد يتأخر، لكنه كثيراً ما يفرض نفسه في النهاية على صناع القرار.
إن القضية الفلسطينية لم تحسم بعد سياسياً، ولا تزال موازين القوة تميل بوضوح لصالح العدو، إلا أن التحولات الجارية في الرأي العام الغربي تشير إلى أن الرواية الفلسطينية نجحت بعض الشيء، رغم كل محاولات التهميش والتشويه، في الوصول إلى ضمير قطاعات واسعة من الشعوب، وقد لا يغيّر ذلك السياسات بين ليلة وضحاها، لكنه يؤسس لتحولات أعمق قد تنعكس تدريجيا على مواقف صناع القرار.
ويبقى الدرس الأهم أن الشرعية لا تُصنع بالقوة العسكرية وحدها، وأن الدول، مهما امتلكت من نفوذ، لا تستطيع الاحتفاظ بتأييد العالم إلى الأبد إذا فقدت رصيدها الأخلاقي، فالتاريخ يبين أن الرأي العام قد يتأخر في التأثير، لكنه عندما يتراكم يصبح قوة يصعب على الساسة تجاهلها أو الالتفاف عليها.
بي دي ان |
07 أغسطس 2026 الساعة 07:25م
إسرائيل خسرت معركة الرأي العام في الولايات المتحدة بعيداً عن دقة هذا التصريح أو السياق الذي ورد فيه، فإن أهم ما يكشفه هو التحول المتدرج الذي بدأ يطرأ على الخطاب السياسي والشعبي داخل الولايات المتحدة تجاه "إسرائيل"، فالمسألة لم تعد تقتصر على خلافات تكتيكية حول إدارة الحرب أو حدود استخدام القوة، بل باتت تمتد إلى إعادة تعريف طبيعة العلاقة نفسها.
فعلى مدى عقود، كانت إسرائيل تُعامل في واشنطن بوصفها حالة استثنائية، تحظى بدعم سياسي وعسكري ودبلوماسي يكاد يكون غير مشروط، بينما كان أي نقد لسلوك حكوماتها يُواجه غالباً باتهامات معاداة السامية.
أما اليوم، فإن مجرد الدعوة إلى التعامل معها كأي دولة أخرى، تُبنى العلاقة معها على أساس المصالح المشتركة والاختلافات الطبيعية بين الحلفاء، أصبح يمثل تحولاً لافتاً في طبيعة النقاش الأمريكي.
وتتزامن هذه التحولات البسيطة مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يُتوقع أن تتصدر المباحثات ملفات عدة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، وتوسيع اتفاقيات أبراهام، ولا سيما إمكانية تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية، إضافة إلى مستقبل الضفة الغربية، بما في ذلك مساعي الحكومة الإسرائيلية لشرعنة المستوطنات وفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء منها، وبالذات المنطقة المصنفة "ج".
غير أن نتنياهو يصل إلى واشنطن في ظل تراجع في مكانته السياسية داخلياً وخارجياً، وفي وقت يدرك فيه بعض الساسة أن استمرار الحرب وتوسيع الاستيطان باتا يحمّلان الولايات المتحدة كلفة سياسية متزايدة، الأمر الذي يجعل نتائج الزيارة مرتبطة بمدى قدرة كل طرف على فرض أولوياته، أكثر من كونها لقاءً بين حليفين متطابقين في الرؤية.
وعموما هذا لا يعني أن الولايات المتحدة بصدد التخلي عن إسرائيل أو فك تحالفها معها؛ فهذا التحالف راسخ وله جذور استراتيجية وسياسية وعسكرية عميقة يصعب تصور انتهائه في المستقبل المنظور، لكن ما يبدو أنه يتغير هو حدود الدعم غير المشروط، خاصة بعد حرب غزة وما خلفته من دمار إنساني واسع، وما صاحبها من تراجع غير مسبوق في صورة إسرائيل داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي والغربي، ولا سيما بين الشباب والجامعات والإعلام المستقل.
لقد كشفت الحرب أن القوة العسكرية قد تحقق تفوقاً ميدانياً، لكنها قد تتحول إلى هزيمة سياسية وأخلاقية عندما تفقد الدولة تعاطف الرأي العام العالمي، فالصورة التي انتقلت إلى ملايين البشر عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي لم تعد تخضع للرواية الرسمية وحدها، بل أصبحت الوقائع الإنسانية نفسها لاعباً رئيسياً في تشكيل المواقف، ولذلك فإن الحديث عن خسارة "إسرائيل" لمعركة الرأي العام ليس مجرد توصيف إعلامي، بل اعتراف بأن قوة الحق لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
ومن اللافت أيضاً أن الاتهام الجاهز بمعاداة السامية لم يعد ينجح بالفاعلية نفسها التي كان يحققها في الماضي، فعدد متزايد من السياسيين والأكاديميين والإعلاميين الغربيين باتوا يميزون بين معاداة اليهود كجماعة دينية أو عرقية، وهي جريمة مرفوضة، وبين انتقاد سياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلية، وهو حق سياسي مشروع تكفله حرية التعبير، وهذا التمييز يمثل تحولاً مهماً في طبيعة النقاش العام داخل الغرب.
إن القضية الفلسطينية لم تنتصر بعد سياسياً، ولا تزال موازين القوى تميل بقوة لصالح "إسرائيل"، لكن ما يحدث في الرأي العام الغربي يؤكد أن الرواية الفلسطينية استطاعت، رغم كل محاولات التعتيم، أن تجد طريقها إلى ضمير قطاعات واسعة من الشعوب،وإذا استمرت هذه التحولات، فقد يكون تأثيرها في المستقبل أكبر بكثير من تأثيرها الحالي، لأن السياسات في الأنظمة الغربية لا تستطيع تجاهل اتجاهات الرأي العام إلى الأبد.
ويبقى الدرس الأهم أن الشرعية لا تُبنى بالقوة وحدها، وأن الدول، مهما امتلكت من نفوذ عسكري وسياسي، لا تستطيع أن تربح إلى الأبد إذا خسرت معركة الأخلاق والعدالة في نظر الشعوب، فالتاريخ يثبت أن الرأي العام قد يتأخر، لكنه كثيراً ما يفرض نفسه في النهاية على صناع القرار.
إن القضية الفلسطينية لم تحسم بعد سياسياً، ولا تزال موازين القوة تميل بوضوح لصالح العدو، إلا أن التحولات الجارية في الرأي العام الغربي تشير إلى أن الرواية الفلسطينية نجحت بعض الشيء، رغم كل محاولات التهميش والتشويه، في الوصول إلى ضمير قطاعات واسعة من الشعوب، وقد لا يغيّر ذلك السياسات بين ليلة وضحاها، لكنه يؤسس لتحولات أعمق قد تنعكس تدريجيا على مواقف صناع القرار.
ويبقى الدرس الأهم أن الشرعية لا تُصنع بالقوة العسكرية وحدها، وأن الدول، مهما امتلكت من نفوذ، لا تستطيع الاحتفاظ بتأييد العالم إلى الأبد إذا فقدت رصيدها الأخلاقي، فالتاريخ يبين أن الرأي العام قد يتأخر في التأثير، لكنه عندما يتراكم يصبح قوة يصعب على الساسة تجاهلها أو الالتفاف عليها.