حرب الإبادة في غزة: وصمة تطارد الضمير العالمي

بي دي ان |

03 أغسطس 2026 الساعة 12:09م

الكاتب
كلما تكشفت حقيقة جديدة، أو خرجت شهادة من تحت الركام، تتهاوى لبنة أخرى من الرواية التي حاولت إسرائيل وحلفاؤها الغربيون تشييدها منذ اندلاع الحرب على غزة، تلك الرواية التي صاغتها الآلة السياسية والإعلامية بعناية، وقدّمت إسرائيل بوصفها ضحية دائمة تدافع عن نفسها في مواجهة خطر وجودي، بينما جرى تهميش الضحايا الحقيقيين وتحويلهم إلى أرقام في نشرات الأخبار أو صور عابرة لا تعكس حجم المأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني.

وعلى الرغم من أن حجم الدمار غير المسبوق، والمشاهد التي خرجت من غزة، والشهادات التي وثقتها المؤسسات الحقوقية والصحفيون المستقلون، فرضت نفسها على الرأي العام العالمي، فإن جزءاً مهماً من الحقيقة ما زال محاصراً بجدار من الإنكار والتبرير والتضليل، فالقضية لم تعد مجرد خلاف سياسي حول تفسير أحداث الحرب أو طبيعة الصراع، بل أصبحت سؤالاً أخلاقياً وإنسانياً يواجه العالم بأسره: كيف أمكن للمجتمع الدولي أن يشاهد هذا الكم الهائل من القتل والتدمير والتجويع والتشريد، ثم يستمر في البحث عن المبررات بدلاً من البحث عن العدالة؟

لقد تحولت غزة خلال سنوات الحرب إلى مسرح لكارثة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، عائلات كاملة مُسحت من الوجود، ومئات الآلاف من المنازل دُمّرت أو تضررت، والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء لم تنجُ من الاستهداف أو الحصار، ولم يعد الفلسطيني يواجه خطر الموت بالقصف وحده، بل واجه أيضاً الجوع والعطش والمرض والنزوح المتكرر وانهيار مقومات الحياة الأساسية.

ولم يكن ما جرى مجرد نتيجة جانبية لعمليات عسكرية، كما حاولت الرواية الرسمية الإسرائيلية تصويره، بل بدا في نظر عدد متزايد من الخبراء القانونيين والمنظمات الحقوقية الدولية جزءاً من سياسة ممنهجة استهدفت البنية البشرية والاجتماعية والاقتصادية لقطاع غزة.
فحين يُحرم ملايين المدنيين من الغذاء والماء والدواء والوقود، وحين تتحول الاحتياجات الإنسانية الأساسية إلى أدوات للضغط والعقاب الجماعي، فإن الأمر يتجاوز حدود الحرب التقليدية ليدخل في نطاق انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وجرائم ابادة نازية قل مثيلها.

لكن المأساة لا تكمن فقط في حجم الكارثة التي أصابت غزة، بل أيضاً في حجم الانهيار الأخلاقي الذي كشفته مواقف العديد من الدول الغربية (بإستثناء أسبانيا)، فالدول التي طالما قدمت نفسها بوصفها حاميةً للقانون الدولي والمدافعة الأولى عن حقوق الإنسان، وقفت عاجزة أو مترددة أو متواطئة أمام مشاهد القتل الجماعي والدمار الواسع، وفي الوقت الذي سارعت فيه هذه الدول إلى فرض العقوبات وفتح التحقيقات الدولية في نزاعات أخرى حول العالم، اختارت في الحالة الفلسطينية لغة مختلفة، ومعايير مختلفة، وحسابات مختلفة.

لقد كشفت الحرب، المرة تلو الأخرى، عن واحدة من أعمق أزمات الخطاب الغربي المعاصر: أزمة ازدواجية المعايير، فالقيم التي يُفترض أنها عالمية بدت وكأنها تفقد عالميتها عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، وتحولت مفاهيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان إلى شعارات انتقائية تُستدعى حين تخدم المصالح السياسية وتُهمَّش حين تتعارض معها.

ولم يقتصر الأمر على الحكومات، بل امتد إلى قطاعات واسعة من المؤسسات الإعلامية والسياسية التي شاركت، بدرجات متفاوتة، في إعادة إنتاج الرواية الرسمية الإسرائيلية أو التخفيف من وقع الجرائم المرتكبة.
وهكذا وجد الضحايا أنفسهم في مواجهة حرب مزدوجة: حرب تستهدف وجودهم المادي على الأرض، وحرب أخرى تستهدف روايتهم وحقهم في أن يُعترف بحقهم في الحياة الكريمة ورفع الظلم الواقع عليهم.

إن إنكار ما جرى في غزة، أو التقليل من شأنه، أو البحث المستمر عن مبررات له، لا يمثل مجرد خلاف في قراءة الوقائع، بل يشكل امتداداً للجريمة نفسها، فالإنكار السياسي والإعلامي يوفر الحماية للمسؤولين عن الانتهاكات، ويؤخر المساءلة، ويمنح مرتكبي الجرائم شعوراُ بالإفلات من العقاب.

ولهذا فإن معركة الحقيقة لا تقل أهمية عن معركة البقاء، فالتاريخ لا يُكتب فقط بما يحدث، بل أيضاً بالطريقة التي تُروى بها الأحداث، وإذا نجحت القوة في فرض روايتها على الوعي العالمي، فإن ذلك يعني منح الشرعية لتكرار المأساة ذاتها في المستقبل.

إن الاعتراف بحجم الكارثة الكبرى التي تعرض لها الفلسطينيون في غزة لا يمثل تهديداً لأحد، بل انتصاراً للحقيقة وللقيم الإنسانية التي يدّعي العالم الدفاع عنها، كما أن مساءلة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة وتقديمهم للعدالة ليست فعلاً انتقامياً، بل ضرورة أخلاقية وقانونية لحماية ما تبقى من مصداقية النظام الدولي.

وإذا كان العالم قد شاهد هذه المأساة لحظةً بلحظة عبر الشاشات ووسائل الإعلام، فإن ما سيبقى في ذاكرة الأجيال ليس فقط حجم الدمار الذي لحق بغزة، بل حجم الفشل الأخلاقي والسياسي الذي رافقها، لقد سقطت مدن وأحياء تحت القصف، لكن ما سقط معها أيضاً هو الصورة التي حاول الغرب أن يقدم بها نفسه بوصفه المرجعية العليا للعدالة وحقوق الإنسان.

قد تنجح الحكومات في تأجيل المحاسبة، وقد تتمكن الدعاية من حجب بعض الحقائق لبعض الوقت، لكن التاريخ أثبت أن الجرائم الكبرى لا تختفي، وأن الحقائق المدفونة تحت الأنقاض تعود دائما إلى الظهور، أما الضحايا الذين حاول كثيرون تحويلهم إلى أرقام، فسوف يبقون شهودا على زمنٍ اختُبرت فيه إنسانية العالم وفشلت في الامتحان.

لهذا لن تبقى حرب غزة مجرد حدث عابر في سجل الصراعات المعاصرة، بل ستظل وصمة عار أخلاقية وسياسية تطارد كل من شارك فيها أو بررها أو صمت عنها، فالشعوب قد تُهزم عسكرياً لكنها لا تنسى، والتاريخ قد يُزوَّر مؤقتاً لكنه لا يستسلم للتزوير إلى الأبد، أما الحقيقة فتبقى قادرة على شق طريقها حتى من بين الركام.